الرقية الشرعية

الرقية | القرآن شفاء | مساعدات العلاج | السيرة الذاتية | للاتصال | الأهداف

 

 

 

 كتاب التيمم‏.‏

-والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب‏:‏ الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها‏.‏ الثاني‏:‏ معرفة من تجوز له هذه الطهارة‏.‏ الثالث‏:‏ في معرفة شروط جواز هذه الطهارة‏.‏ الرابع‏:‏ في صفة هذه الطهارة‏.‏ الخامس‏:‏ فيما تصنع به هذه الطهارة‏.‏ السادس‏:‏ في نواقض الطهارة‏.‏ السابع‏:‏ في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها‏.‏

 الباب الأول في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها‏.‏

-اتفق العلماء على أن هذه الطهارة هي بدل من الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، فروى عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلا من الكبرى، وكان علي وغيره من الصحابة يرون أن التيمم يكون بدلا من الطهارة الكبرى، وبه قال عامة الفقهاء‏.‏ والسبب في اختلافهم الاحتمال الوارد في آية التيمم، وأنه لم تصح عندهم الآثار الواردة بالتيمم للجنب، أما الاحتمال الوارد في الآية فلأن قوله تعالى ‏{‏فلم تجدوا ماء فتيمموا‏}‏ يحتمل أن يعود الضمير الذي فيه على المحدث حدثا أصغر فقط، ويحتمل أن يعود عليهما معا، لكن من كانت الملامسة عنده في الآية الجماع فالأظهر أنه عائد عليهما معا، و من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد، أعني قوله تعالى ‏{‏أو لامستم النساء‏}‏ فالأظهر أنه إنما يعود الضمير عنده على المحدث حدثا أصغر فقط، إذ كانت الضمائر إنما يحمل أبدا عودها على أقرب مذكور إلا أن يقدر في الآية تقديما وتأخير حتى يكون تقديرها هكذا يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنبا فاطهروا‏:‏ وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا‏.‏ ومثل هذا ليس ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل، فإن التقديم والتأخير مجاز وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، وقد يظن أن في الآية شيئا يقتضي تقديما وتأخيرا، وهو أن حملها على ترتيبها يوجب أن المرض والسفر حدثان، لكن هذا لا يحتاج إليه إذا قدرت أو ههنا بمعنى الواو، وذلك موجود في كلام العرب في مثل قول الشاعر‏:‏

وكان سيان أن لا يسرحوا نعما * أو يسرحوه بها واغبرت السرح

فإنه إنما يقال‏:‏ سيان زيد وعمرو‏.‏ وهذا هو أحد الأسباب التي أوجبت الخلاف في هذه المسألة‏.‏ وأما ارتيابهم في الآثار التي وردت في هذا المعنى فبين مما خرجه البخاري ومسلم‏:‏ أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال‏:‏ أجنبت فلم أجد الماء، فقال‏:‏ لا تصل، فقال عمار‏:‏ أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك ثم تنفخ فيهما ثم تمسح بهما وجهك وكفيك، فقال عمر‏:‏ اتق الله يا عمار، فقال‏:‏ إن شئت لم أحدث به‏"‏ وفي بعض الروايات‏:‏ أنه قال له عمر‏:‏ نوليك ما توليت وخرج مسلم عن شقيق قال‏:‏ كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى فقال أبو موسى‏:‏ يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة‏؟‏ فقال عبد الله لأبي موسى‏:‏ لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا، فقال أبو موسى‏:‏ فكيف بهذه الآية في سورة المائدة ‏{‏فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا‏}‏ فقال عبد الله‏:‏ لو رخص لهم في هذه الآية لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله ألم تسمع لقول عمار‏؟‏ وذكر له الحديث المتقدم، فقال له عبد الله‏:‏ ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار‏؟‏ لكن الجمهور رأوا أن ذلك قد ثبت من حديث عمار وعمران بن الحصين، خرجهما البخاري، وإن نسيان عمر ليس مؤثرا في وجوب العمل بحديث عمار، وأيضا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏"‏‏.‏ وأما حديث عمران بن الحصين فهو ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال‏:‏ يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم‏؟‏ فقال‏:‏ يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ عليك بالصعيد فإنه يكفيك‏"‏ ولموضع هذا الاحتمال اختلفوا‏:‏ هل لمن ليس عنده ماء أن يطأ أهله أم لا يطؤها‏؟‏ أعني من يجوز للجنب التيمم‏.‏

‏‏

 الباب الثاني في معرفة من تجوز له الطهارة‏.‏

-وأما من تجوز له هذه الطهارة، فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين‏:‏ للمريض والمسافر إذا عدما الماء‏.‏ واختلفوا في أربع‏:‏ المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، وفي الحاضر يعدم الماء، وفي الصحيح المسافر يجد الماء فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد‏.‏ فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله، فقال الجمهور‏:‏ يجوز التيمم له؛ وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء، إلا أن معظمهم أوجب عليه الإعادة إذا وجد الماء، وقال عطاء‏:‏ لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء‏.‏ وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب مالك والشافعي إلى جواز التيمم له، وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدم الماء، وسبب اختلافهم في هذه المسائل الأربع التي هي قواعد هذا الباب؛ أما في المريض الذي يخاف من استعمال الماء، فهو اختلافهم‏:‏ هل في الآية محذوف مقدر في قوله تعالى ‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر‏}‏ ‏.‏ فمن رأى أن في الآية حذفا وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى ‏{‏فلم تجدوا ماء‏}‏ إنما يعود على المسافر فقط أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء‏.‏ ومن رأى أن الضمير في ‏"‏فلم تجدوا ماء‏"‏ يعود على المريض والمسافر معا وأنه ليس في الآية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم‏.‏ وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدم الماء، فاحتمال الضمير الذي في قوله تعالى ‏"‏فلم تجدوا ماء‏"‏ أن يعود على أصناف المحدثين‏:‏ أعني الحاضرين والمسافرين، أو على المسافرين فقط‏.‏ فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين أجاز التيمم للحاضرين، ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء، وأما سبب اختلافهم في الخائف من الخروج إلى الماء، فاختلافهم في قياسه على من عدم الماء، وكذلك اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء، السبب فيه هو اختلافهم في قياسه على المريض الذي يخاف من استعمال الماء، وقد رجح مذهبهم القائلون بجواز التيمم للمريض بحديث جابر في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز عليه الصلاة والسلام المسح له وقال ‏"‏قتلوه قتلهم الله‏"‏ وكذلك رجحوا أيضا قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض بما روي أيضا في ذلك عن عمرو بن العاص أنه أجنب في ليلة باردة، فتيمم وتلا قول الله تعالى ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما‏}‏ فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف‏.‏

 الباب الثالث في معرفة شروط جواز هذه الطهارة‏.‏

-وأما معرفة شروط هذه الطهارة، فيتعلق بها ثلاث مسائل قواعد‏:‏ إحداها‏:‏ هل النية من شرط هذه الطهارة أم لا‏؟‏‏.‏ والثانية‏:‏ هل الطلب شرط في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا‏؟‏‏.‏ والثالثة‏:‏ هل دخول الوقت شرط في جواز التيمم أم لا‏؟‏‏.‏

 -‏(‏أما المسألة الأولى‏) فالجمهور على أن النية فيها شرط لكونها عبادة غير معقولة المعنى، وشذ زفر فقال‏:‏ إن النية ليست بشرط فيها، وأنها لا تحتاج إلى نية، وقد روى ذلك أيضا عن الأوزاعي والحسن بن حي وهو ضعيف‏.‏

 -‏(‏وأما المسألة الثانية‏) فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب وكذلك الشافعي، ولم يشترطه أبو حنيفة‏.‏ سبب اختلافهم في هذا هو هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده‏؟‏ لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء إما بطلب متقدم وإما بغير ذلك هو عادم للماء، وأما الظان فليس بعادم للماء، ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان الواحد بعينه ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك علم قطعي بعدم الماء‏.‏

 -‏(‏وأما المسألة الثالثة‏)‏ وهو اشتراط دخول الوقت فمنهم من اشترطه وهو مذهب الشافعي ومالك، ومنهم من لم يشترطه، وبه قال أبو حنيفة وأهل الظاهر وابن شعبان من أصحاب مالك‏.‏ وسبب اختلافهم هو‏:‏ هل ظاهر مفهوم آية الوضوء يقتضي أن لا يجوز التيمم والوضوء إلا عند دخول الوقت لقوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ الآية، فأوجب الوضوء والتيمم عند وجوب القيام إلى الصلاة، وذلك إذا دخل الوقت، فوجب لهذا أن يكون حكم الوضوء والتيمم في هذا حكم الصلاة، أعني أنه كما أن الصلاة من شرط صحتها الوقت، كذلك من شروط صحة الوضوء والتيمم الوقت، إلا أن الشرع خصص الوضوء من ذلك، فبقي التيمم على أصله أم ليس يقتضي هذا ظاهر مفهوم الآية، وأن تقدير قوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأيضا فإنه لو لم يكن هنالك محذوف لما كان يفهم من ذلك إلا إيجاب الوضوء والتيمم عند وجوب الصلاة فقط، لا أنه لا يجزئ إن وقع قبل الوقت إلا أن يقاسا على الصلاة، فلذلك الأولى أن يقال في هذا إن سبب الخلاف فيه هو قياس التيمم على الصلاة، لكن هذا يضعف، فإن قياسه على الوضوء أشبه، فتأمل هذه المسألة، فإنها ضعيفة، أعني من يشترط في صحته دخول الوقت ويجعله من العبادات المؤقتة، فإن التوقيت في العبادة لا يكون إلا بدليل سمعي، وإنما يسوغ القول بهذا إذا كان على رجاء من وجود الماء قبل دخول الوقت فيكون هذا ليس من باب أن هذه العبادة مؤقتة، لكن من باب أنه ليس ينطلق اسم الغير واجد للماء إلا عند دخول وقت الصلاة، لأنه ما لم يدخل وقتها أمكن أن يطرأ هو على الماء، ولذلك اختلف المذهب متى يتيمم‏؟‏، هل في أول الوقت أو في وسطه أو في آخره‏؟‏ لكن ههنا مواضع يعلم قطعا أن الإنسان ليس بطارئ على الماء فيها قبل دخول الوقت، ولا الماء بطارئ عليه‏.‏ وأيضا فإن قدرنا طرو الماء فليس يجب عليه إلا نقض التيمم فقط لا منع صحته، وتقدير الطرو هو ممكن في الوقت وبعده، فلم جعل حكمه قبل دخول الوقت خلاف حكمه في الوقت أعني أنه قبل الوقت يمنع انعقاد التيمم، وبعد دخول الوقت لا يمنعه، وهذا كله لا ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل سمعي، ويلزم على هذا أن لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت فتأمله‏.‏

 الباب الرابع في صفة هذه الطهارة

-وأما صفة هذه الطهارة فيتعلق بها ثلاث مسائل هي قواعد هذا الباب‏.‏

 -‏(‏المسألة الأولى‏) اختلف الفقهاء في حد الأيدي التي أمر الله بمسحها في التيمم في قوله ‏{‏فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه‏}‏ على أربعة أقوال‏:‏ القول الأول‏:‏ أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء، وهو إلى المرافق، وهو مشهور المذهب، وبه قال فقهاء الأمصار‏.‏ والقول الثاني‏:‏ أن الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث‏.‏ والقول الثالث‏:‏ الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان، وهو مروي عن مالك‏.‏ والقول الرابع‏:‏ أن الفرض إلى المناكب، وهو شاذ روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة‏.‏ والسبب في اختلافهم اشتراك اسم اليد في لسان العرب، وذلك أن اليد في كلام العرب يقال على ثلاثة معان‏:‏ على الكف فقط وهو أظهرها استعمالا، ويقال على الكف والذراع، ويقال على الكف والساعد والعضد‏.‏ والسبب الثاني اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أن حديث عمار المشهور فيه من طرقه الثابتة ‏"‏إنما يكفيك أن تضرب بيدك ثم تنفخ فيها ثم تمسح بها وجهك وكفيك‏"‏‏.‏ وورد في بعض طرقه أنه قال له عليه الصلاة والسلام ‏"‏وأن تمسح بيديك إلى المرفقين‏"‏‏.‏ وروي أيضا عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ‏"‏التيمم ضربتان‏:‏ ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين‏"‏ وروي أيضا من طريق ابن عباس ومن طريق غيره؛ فذهب الجمهور إلى ترجيح هذه الأحاديث على حديث عمار الثابت من جهة عضد القياس لها‏:‏ أعني من جهة قياس التيمم على الوضوء وهو بعينه حملهم على أن عدلوا بلفظ اسم اليد عن الكف الذي هو فيه أظهر إلى الكف والساعد، ومن زعم أنه ينطلق عليهما بالسواء، وأنه ليس في أحدهما أظهر منه في الثاني فقط أخطأ، فإن اليد وإن كانت اسما مشتركا فهي في الكف حقيقة، وفيما فوق الكف مجاز، وليس كل اسم مشترك هو مجمل، وإنما المشترك المجمل الذي وضع من أول أمره مشتركا، وفي هذا قال الفقهاء إنه لا يصح الاستدلال به، ولذلك ما نقول إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الأجزاء أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إلى الأخذ بالأثر الثابت، فأما أن يغلب القياس ههنا على الأثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضا أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة فتأمله‏.‏ وأما من ذهب إلى الآباط فإنما ذهب إلى ذلك، لأنه قد روي في بعض طرق حديث عمار أنه قال ‏"‏تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب‏"‏‏.‏ ومن ذهب إلى أن يحمل تلك الأحاديث على الندب وحديث عمار على الوجوب فهو مذهب حسن إذ كان الجمع أولى من الترجيح عند أهل الكلام الفقهي، إلا أن هذا إنما ينبغي أن يصار إليه إن صحت تلك الأحاديث‏.‏

 -‏(‏المسألة الثانية‏) اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمنهم من قال واحدة، ومنهم من قال اثنتين، والذين قالوا اثنتين منهم من قال‏:‏ ضربة للوجه وضربة لليدين، وهم الجمهور، وإذا قلت الجمهور فالفقهاء الثلاثة معدودون فيهم‏:‏ أعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة، ومنهم من قال‏:‏ ضربتان لكل واحد منهما‏:‏ أعني لليد ضربتان وللوجه ضربتان، والسبب في اختلافهم أن الآية مجملة في ذلك والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه، والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معا، لكن ههنا أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الأحاديث لمكان قياس التيمم على الوضوء‏.‏

 -‏(‏المسألة الثالثة‏)‏ اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم، فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبا ولا مالك، ورأى ذلك الشافعي واجبا‏.‏ وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف ‏"‏من‏"‏ في قوله تعالى ‏{‏فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه‏}‏ وذلك أن من قد ترد للتبعيض، وقد ترد لتمييز الجنس، فمن ذهب إلى أنها ههنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم‏.‏ ومن رأى أنها لتمييز الجنس قال‏:‏ ليس النقل واجبا‏.‏ والشافعي إنما رجح حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء، لكن يعارضه حديث عمار المتقدم لأن فيه ثم تنفخ فيها، وتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحائط، وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا فلا معنى لإعادته‏.‏

 الباب الخامس فيما تصنع به هذه الطهارة‏.

-وفيه  مسألة واحدة

 وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب، واختلفوا في جواز فعلها بما عدا التراب من أجزاء الأرض المتولدة عنها كالحجارة، فذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها في المشهور عنه الحصا والرمل والتراب‏.‏ وزاد أبو حنيفة فقال‏:‏ وبكل ما يتولد من الأرض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام‏.‏ ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الأرض وهم الجمهور‏.‏ وقال أحمد بن حنبل‏:‏ يتمم بغبار الثوب واللبد‏.‏ والسبب في اختلافهم شيئان‏:‏ أحدهما اشتراك اسم ا لصعيد في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الأرض الظاهرة، حتى إن مالكا وأصحابه حملهم دلالة اشتقاق هذا الاسم أعني الصعيد أن يجيزوا في إحدى الروايات عنهم التيمم على الحشيش وعلى الثلج، قالوا‏:‏ لأنه يسمى صعيدا في أصل التسمية، أعني من جهة صعوده على الأرض، وهذا ضعيف‏.‏ والسبب الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏"‏ فإن في بعض رواياته ‏"‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا‏"‏ وفي بعضها ‏"‏جعلت لي الأرض مسجد وجعلت لي تربتها طهورا‏"‏ وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يقضي بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق‏؟‏ والمشهور عندهم أن يقضي بالمقيد على المطلق وفيه نظر، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضي بالمطلق على المقيد، لأن المطلق فيه زيادة معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى‏.‏ وأما إجازة التيمم بما يتولد منها فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الأرض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش، والله الموفق للصواب، والاشتراك الذي في اسم الطيب أيضا من أحد دواعي الخلاف‏.‏

 

الباب السادس في نواقض هذه الطهارة‏.‏

-وأما نواقض هذه الطهارة فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها ما ينقض الأصل الذي هو الوضوء أو الطهر، واختلفوا من ذلك في مسألتين‏:‏ إحداهما هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمم لها‏؟‏‏.‏ والمسألة الثانية هل ينقضها وجود الماء أم لا‏؟‏‏.‏

 

-‏(‏أما المسألة الأولى‏)‏ فذهب مالك فيها إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض طهارة الأولى، ومذهب غيره خلاف ذلك‏.‏ وأصل هذا الخلاف يدور على شيئين‏:‏ أحدهما هل في قوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة‏}‏ محذوف مقدر‏:‏ أعني إذا قمتم من النوم، أو قمتم محدثين، أم ليس هنالك محذوف أصلا‏؟‏ فمن راى أن لا محذوف هنالك قال‏:‏ ظاهر الآية وجوب الوضوء أو التيمم عند القيام لكل صلاة، لكن خصصت السنة من ذلك الوضوء فيبقي التيمم على أصله، لكن لا ينبغي أن يحتج بهذا لمالك فإن مالكا يرى أن في الآية محذوفا على ما رواه عن زيد بن أسلم في موطئه‏.‏ وأما السبب الثاني فهو تكرار الطلب عند دخول وقت كل صلاة وهذا هو ألزم لأصول مالك أعني أن يحتج له بهذا، وقد تقدم القول في هذه المسألة، ومن لم يتكرر عنده الطلب وقدر في الآية محذوفا لم ير إرادة الصلاة الثانية ما لم ينقض التيمم‏.‏

-‏(‏ وأما المسألة الثانية‏)‏ فإن الجمهور ذهبوا إلى أن وجود الماء ينقضها‏.‏ وذهب قوم إلى أن الناقض لها هو الحدث، وأصل هذ الخلاف هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهرة التي كانت بالتراب، أو يرفع ابتداء الطهارة به‏؟‏ فمن رى أنه يرفع ابتداء الطهارة به قال‏:‏ لا ينقضها إلا الحدث‏.‏ ومن رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال‏:‏ إنه ينقضها، فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب، وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ما لم يجد الماء‏"‏ والحديث محتمل، فإنه يمكن أن يقال‏:‏ إن قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ما لم يجد الماء‏"‏ يمكن أن يفهم منه‏:‏ فإذا وجد الماء انقطعت هذه الطهارة وارتفعت، ويمكن أن يفهم منه‏:‏ فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء هذه الطهارة، والأقوى في عضد الجمهور هو حديث أبي سعيد الخدري، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال ‏"‏فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك‏"‏ فإن الأمر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور، وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم فتأمل هذا‏.‏ وقد حمل الشافعي تسليمه على أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة أن قال‏:‏ إن التيمم ليس رافعا للحدث‏:‏ أي ليس مفيدا للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث، وهذا لا معنى له، فإن الله قد سماه طهارة، وقد ذهب قوم من أصحاب مالك هذا المذهب فقالوا‏:‏ إن التيمم لا يرفع الحدث، لأنه لو رفعه لم ينقضه إلا الحدث‏.‏ والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضها، واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طروه في الصلاة‏؟‏ فذهب مالك والشافعي وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة، وذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة وهم أحفظ للأصل، لأنه أمر غير مناسب الشرع أن يوجد شيء واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة، وبمثل هذا شنعوا على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء، مع أنه مستند في ذلك إلى الأثر فتأمل هذه المسألة فإنها بينة، ولا حجة في الظواهر التي يرام الاحتجاح بها بإرادته وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث‏.‏

 

الباب السابع في الأشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها أو في استباحتها

-واتفق الجمهور على أن الأفعال التي هذه الطهارة شرط في صحتها هي الأفعال التي الوضوء شرط في صحتها من الصلاة ومس المصحف وغير ذلك، واختلفوا هل يستباح بها أكثر من صلاة واحدة فقط‏؟‏ فمشهور مذهب مالك أنه لا يستباح بها صلاتان مفروضتان أبدا، واختلف قوله في الصلاتين المقضيتين، والمشهور عنه أنه إذا كانت إحدى الصلاتين فرضا والأخرى نفلا أنه إذا قدم الفرض جمع بينهما، وإن قدم النفل لم يجمع بينهما‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الجمع بين صلوات مفروضة بتيمم واحد‏.‏ وأصل هذا الخلاف هو‏:‏ هل التيمم يجب لكل صلاة أم لا‏؟‏ إما من قبل ظاهر الآية كما تقدم، وإما من قبل وجوب تكرار الطلب، وإما من كليهما‏.‏

 

 

 


Copyright, 2003 - 2008 contact: mekkaoui Corporation. All rights reserved