|
|||||||||||||||||||||||||
|
-وهذا الكتاب في أصوله أيضا أربعة أبواب:
الباب الأول: في حكم الصيد وفي محل الصيد. الثاني: فيما به يكون
الصيد. الثالث: في صفة ذكاة الصيد والشرائط المشترطة في عمل الذكاة في
الصيد. الرابع: فيمن يجوز صيده. -فأما حكم الصيد فالجمهور على أنه مباح لقوله
تعالى -والأصل في هذا الباب آيتان وحديثان: الآية
الأولى قوله تعالى وسبب اختلافهم معارضة الأصول في هذا الباب
بعضها بعضا، ومعارضة الأثر لها، وذلك أن من الأصول في هذا الباب أن الوقيذ
محرم بالكتاب والإجماع، ومن أصوله أن العقر ذكاة الصيد؛ فمن رأى أن ما قتل
المعراض وقيذ منعه على الإطلاق؛ ومن رآه عقرا مختصا بالصيد وأن الوقيذ غير
معتبر فيه أجازه على الإطلاق؛ ومن فرق بين ما خرق من ذلك أو لم يخرق فمصيرا
إلى حديث عدي ابن حاتم المتقدم وهو الصواب. وأما الحيوان الجارح فالاتفاق
والاختلاف فيه منه متعلق بالنوع والشرط، ومنه ما يتعلق بالشرط. فأما
النوع الذي اتفقوا عليه فهو الكلاب ما عدا الكلب الأسود، فإنه كرهه قوم
منهم الحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة؛ وقال أحمد: ما أعرف أحدا يرخص
فيه إذا كان بهيما، وبه قال إسحاق. وأما الجمهور فعلى إجازة صيده إذا كان
معلما. وسبب اختلافهم معارضة القياس للعموم، وذلك أن عموم قوله تعالى وسبب اختلافهم في هذا الباب شيئان: أحدهما
قياس سائر الجوارح على الكلاب، وذلك أنه قد يظن أن النص إنما ورد في
الكلاب، أعني قوله تعالى وأما من استثنى من ذلك البازي فقط فمصيرا إلى
ما روي عن عدي بن حاتم أنه قال "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
صيد البازي فقال: ما أمسك عليك فكل" خرجه الترمذي فهذه هي أسباب
اتفاقهم واختلافهم في أنواع الجوارح. وأما الشروط المشترطة في الجوارح
فإن منها ما اتفقوا عليه وهو التعليم بالجملة لقوله تعالى واختلفوا في صفة التعليم وشروطه، فقال قوم:
التعليم ثلاثة أصناف: أحدها أن تدعو الجارح فيجيب. والثاني أن تشيله
فينشلى. والثالث أن تزجره فيزدجر. ولا خلاف بينهم في اشتراط هذه
الثلاثة في الكلب، وإنما اختلفوا في اشتراط الانزجار في سائر الجوارح،
فاختلفوا أيضا في هل من شرطه أن لا يأكل الجارح؟ فمنهم من اشترطه على
الإطلاق؛ ومنهم من اشترطه في الكلب فقط؛ وقول مالك: إن هذه الشروط
الثلاثة شرط في الكلاب وغيرها؛ وقال ابن حبيب من أصحابه: ليس يشترط
الانزجار فيما ليس يقبل ذلك من الجوارح مثل البزاة والصقور، وهو مذهب مالك،
أعني أنه ليس من شرط الجارح لا كلب ولا غيره أن لا يأكل، واشترطه بعضهم في
الكلب ولم يشترطه فيما عداه من جوارح الطيور؛ ومنهم من اشترطه كما قلنا في
الكل؛ والجمهور على جواز أكل صيد البازي والصقر وإن أكل، لأن تضريته إنما
تكون بالأكل. فالخلاف في هذا الباب راجع إلى موضعين: أحدهما هل من شرط
التعليم أن ينزجر إذا زجر؟ والثاني هل من شرطه ألا يأكل؟. وسبب
الخلاف في اشتراط الأكل أو عدمه شيئان: أحدهما اختلاف الآثار في ذلك.
والثاني هل إذا أكل فهو ممسك أم لا؟ فأما الآثار فمنها حديث عدي بن حاتم
المتقدم وفيه "فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه"
والحديث المعارض لهذا حديث أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل، قلت: وإن أكل
منه يا رسول الله؟ قال: وإن أكل" فمن جمع بين الحديثين بأن حمل حديث عدي بن حاتم
على الندب وهذا على الجواز قال: ليس من شرطه ألا يأكل؛ ومن رجح حديث عدي
بن حاتم إذ هو حديث متفق عليه وحديث أبي ثعلبة مختلف فيه، ولذلك لم يخرجه
الشيخان البخاري ومسلم وقال من شرط الإمساك أن لا يأكل بدليل الحديث
المذكور قال: إن أكل الصيد لم يؤكل، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد
وإسحق والثوري، وهو قول ابن عباس، ورخص في أكل مما أكل الكلب كما قلنا مالك
وسعيد بن مالك وابن عمر وسليمان. وقالت المالكية المتأخرة إنه ليس الأكل
بدليل على أنه لم يمسك لسيده ولا الإمساك لسيده بشرط في الذكاة، لأن نية
الكلب غير معلومة، وقد يمسك لسيده ثم يبدو له فيمسك لنفسه، وهذا الذي قالوه
خلاف النص في الحديث وخلاف ظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى وأما اختلافهم في الازدجار فليس له سبب إلا
اختلافهم في قياس سائر الجوارح في ذلك على الكلب، لأن الكلب الذي لا يزدجر
لا يسمى معلما باتفاق، فأما سائر الجوارح إذا لم تنزجر هل تسمى معلمة أم
لا؟ ففيه التردد وهو سبب الخلاف. -واتفقوا على أن الذكاة المختصة بالصيد هي
العقر. واختلفوا في شروطها اختلافا كثيرا، وإذا اعتبرت أصولها التي هي
أسباب الاختلاف سوى الشروط المشترطة في الآلة وفي الصائد وجدتها ثمانية
شروط: اثنان يشتركان في الذكاتين أعني ذكاة المصيد وغير المصيد وهي النية
والتسمية. وستة تختص بهذه الذكاة: أحدها أنها لم تكن الآلة أو الجارح
الذي أصاب الصيد قد أنفذ مقاتله فإنه يجب أن يذكى بذكاة الحيوان الإنسي إذا
قدر عليه قبل أن يموت مما أصابه من الجارح أو من الضرب. وأما إن كان قد
أنفذ مقاتله فليس يجب ذلك وإن كان قد يستحب. والثاني أن يكون الفعل الذي
أصيب به الصيد مبدؤه من الصائد لا من غيره: أعني لا من الآلة كالحال في
الحبالة، ولا من الجارح كالحال فيما يصيب الكلب الذي ينشلى من ذاته.
والثالث أن لا يشاركه في العقر من ليس عقره ذكاة. والرابع أن لا يشك في
عين الصيد الذي أصابه وذلك عند غيبته عن عينه. والخامس أن لا يكون الصيد
مقدورا عليه في وقت الإرسال عليه. والسادس أن لا يكون موته من رعب من
الجارح أو بصدمه منه. فهذه هي أصول الشروط التي من قبل اشتراطها أو لا
اشتراطها عرض الخلاف بين الفقهاء، وربما اتفقوا على وجوب بعض هذه الشروط،
ويختلفون في وجودها في نازلة نازلة، كاتفاق المالكية على أن من شرط الفعل
أن يكون مبدؤه من الصائد، واختلافهم إذا أفلت الجارح من يده أو خرج بنفسه،
ثم أغراه هل يجوز ذلك الصيد أم لا لتردد هذه الحال بين أن يوجد لها هذا
الشرط أو لا يوجد كاتفاق أبي حنيفة ومالك على أن من شرطه إذا أدرك غير
منفوذ المقاتل أن يذكى إذا قدر عليه قبل أن يموت. واختلافهم بين أن يخلصه
حيا فيموت في يده قبل أن يتمكن من ذكاته، فإن أبا حنيفة منع هذا وأجازه
مالك ورآه مثل الأول، أعني إذا لم يقدر على تخليصه من الجارح حتى مات لتردد
هذه الحال بين أن يقال أدركه غير منفوذ المقاتل وفي غير يد الجارح فأشبه
المفرط أو لم يشبهه فلم يقع منه تفريط. وإذا كانت هذه الشروط هي أصول الشروط المشترطة
في الصيد مع سائر الشروط المذكورة في الآلة والصائد نفسه على ما سيأتي يجب
أن يذكر منها ما اتفقوا منه عليه وما اختلفوا فيه، وأسباب الخلاف في ذلك
وما يتفرع عنها من مشهور مسائلهم. فنقول: أما التسمية والنية فقد تقدم
الخلاف فيهما وسببه في كتاب الذبائح، ومن قبل اشتراط النية في الذكاة لم
يجز عند من اشترطها إذا أرسل الجارح على صيد وأخذ آخر ذكاة ذلك الصيد لم
يرسل عليه، وبه قال مالك؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور: ذلك
جائز ويؤكل؛ ومن قبل هذا أيضا اختلف أصحاب مالك في الإرسال على صيد غير
مرئي، كالذي يرسل على ما في غيضة أو من وراء أكمة ولا يدري هل هنالك شيء أم
لا؟ لأن القصد في هذا يشوبه شيء من الجهل. وأما الشرط الأول الخاص
بذكاة الصيد من الشروط الستة التي ذكرناها وهو أن عقر الجارح له إذا لم
ينفذ مقاتله، إنما يكون إذا لم يدركه المرسل حيا، فباشتراطه قال جمهور
العلماء لما جاء في حديث عدي بن حاتم في بعض رواياته أنه قال عليه الصلاة
والسلام "وإن أدركته حيا فاذبحه" وكان النخعي يقول: إذا أدركته حيا
ولم يكن معك حديدة فأرسل عليه الكلاب حتى تقتله، وبه قال الحسن البصري
مصيرا لعموم قوله تعالى وسبب اختلافهم شيئان اثنان: الشك العارض في
عين الصيد أو في زكاته. والسبب الثاني اختلاف الآثار في هذا الباب، فروى
مسلم والنسائي والترمذي وأبو داود عن أبي ثعلبة عن النبي عليه الصلاة
والسلام في الذي يدرك صيده بعد ثلاث فقال "كل ما لم ينتن" وروى مسلم عن
أبي ثعلبة أيضا عن النبي عليه الصلاة والسلام قال "إذا رميت سهمك فغاب
عنك مصرعه فكل ما لم يبت" وفي حديث عدي بن حاتم أنه قال عليه الصلاة
والسلام "إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد فيه أثر سبع وعلمت أن سهمك قتله
فكل". ومن هذا الباب اختلافهم في الصيد يصاد بالسهم أو يصيبه الجارح
فيسقط في ماء أو يتردى من مكان عال، فقال مالك: لا يؤكل لأنه لا يدري من
أي الأمرين مات، إلا أن يكون السهم قد أنقذ مقاتله ولا يشك أن منه مات، وبه
قال الجمهور؛ وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إن وقع في ماء منفوذ المقاتل،
ويؤكل إن تردى. وقال عطاء: لا يؤكل أصلا إذا أصيبت المقاتل وقع في ماء
أو تردى من موضع عال لإمكان أن يكون زهوق نفسه من قبل التردي أو من الماء
قبل زهوقها من قبل إنقاذ المقاتل. وأما موته من صدم الجارح له، فإن ابن
القاسم منعه قياسا على المثقل، وأجازه أشهب لعموم قوله تعالى واختلفوا في صفة العقر إذا ضرب الصيد فأبين منه
عضو، فقال قوم: يؤكل الصيد ما بان منه؛ وقال قوم: يؤكلان جميعا؛ وفرق
قوم بين أن يكون ذلك العضو مقتلا أو غير مقتل، فقالوا: إن كان مقتلا أكلا
جميعا، وإن كان غير مقتل أكل الصيد ولم يؤكل العضو، وهو معنى قول مالك:
وإلى هذا يرجع خلافهم في أن يكون القطع بنصفين أو يكون أحدهما أكبر من
الثاني. وسبب اختلافهم معارضة قوله عليه الصلاة والسلام "ما قطع من
البهيمة وهي حية فهو ميتة" لعموم قوله تعالى -وشروط القانص هي شروط الذابح نفسه، وقد تقدم
ذلك في كتاب الذبائح المتفق عليها والمختلف فيها، ويخص الاصطياد في البر
شرط زائد وهو أن لا يكون محرما، ولا خلاف في ذلك لقوله تعالى |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||