|
|||||||||||||||||||||||||
|
الجزء الثاني. -بسم الله الرحمن الرحيم. وأصول هذا الكتاب تنحصر في خمسة أبواب: الباب
الأول: في مقدمات النكاح. الباب الثاني: في موجبات صحة النكاح.
الباب الثالث: في موجبات الخيار في النكاح. الباب الرابع: في حقوق
الزوجية. الباب الخامس: في الأنحكة المنهي عنها والفاسدة. -وفي هذا الباب أربع مسائل في حكم النكاح وفي
حكم خطبة النكاح، وفي الخطبة على الخطبة، وفي النظر إلى المخطوبة قبل
التزويج. فأما حكم النكاح فقال قوم: هو مندوب إليه، وهم الجمهور؛ وقال
أهل الظاهر: هو واجب، وقالت المتأخرة من المالكية: هو في حق بعض الناس
واجب، وفي حق بعضهم مندوب إليه، وفي حق بعضهم مباح، وذلك بحسب ما يخاف على
نفسه من العنت. وسبب اختلافهم هل تحمل صيغة الأمر به في قوله تعالى وأما خطبة النكاح المروية عن النبي صلى الله
عليه وسلم فقال الجمهور إنها ليست واجبة، وقال داود هي واجبة. وسبب
الخلاف هل يحمل فعله في ذلك عليه الصلاة والسلام على الوجوب أو على
الندب: فأما الخطبة على الخطبة، فإن النهي في ذلك ثابت عن النبي عليه
الصلاة والسلام. واختلفوا هل يدل ذلك على فساد المنهي عنه أو لا يدل.
وإن كان يدل ففي أي حالة يدل؟ فقال داود يفسخ؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة
لا يفسخ؛ وعن مالك القولان جميعا، وثالث وهو أن يفسخ قبل الدخول ولا يفسخ
بعده؛ وقال ابن القاسم: إنما معنى النهي إذا خطب رجل صالح على خطبة رجل
صالح، وأما إن كان الأول غير صالح والثاني صالح جاز. وأما الوقت عند
الأكثر فهو إذا ركن بعضهم إلى بعض لا في أول الخطبة بدليل حديث فاطمة بنت
قيس "حيث جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن أبا جهم بن
حذيفة ومعاوية بن أبي سفيان خطباها، فقال: أما أبو جهم فرجل لا يرفع عصاه
عن النساء، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ولكن انكحي أسامة". وأما
النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط؛ وأجاز
ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين؛ ومنع ذلك قوم على الإطلاق؛ وأجاز
أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين. والسبب في اختلافهم أنه
ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا: أعني
بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى -وهذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أركان: الركن
الأول: في معرفة كيفية هذا العقد. الركن الثاني: في معرفة محل هذا
العقد. الثالث: في معرفة شروط هذا العقد. -(الركن الأول) في الكيفية. والنظر في
هذا الركن في مواضع: في كيفية الإذن المنعقد به، ومن المعتبر رضاه في
لزوم هذا العقد، وهل يجوز عقده على الخيار أم لا يجوز؟ وهل إن تراخى
القبول من أحد المتعاقدين لزم ذلك العقد، أم من شرط ذلك الفور؟ -(الموضع الأول) الإذن في النكاح على
ضربين: فهو واقع في حق الرجال والثيب من النساء بالألفاظ، وهو في حق
الأبكار المستأذنات واقع بالسكوت: أعني الرضا. وأما الرد فباللفظ ولا
خلاف في هذه الجملة إلا ما حكي عن أصحاب الشافعي أن أذن البكر إذا كان
المنكح غير أب ولا جد بالنطق، وإنما صار الجمهور إلى أن إذنها بالصمت
للثابت من قوله عليه الصلاة والسلام " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر
تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" واتفقوا على أن انعقاد النكاح بلفظ
النكاح ممن إذنه اللفظ، وكذلك بلفظ التزويج. واختلفوا في انعقاده بلفظ
الهبة أو بلفظ البيع أو بلفظ الصدقة، فأجازه قوم، وبه قال مالك وأبو حنيفة؛
وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح أو التزويج. وسبب اختلافهم هل
هو عقد يعتبر فيه مع النية اللفظ الخاص به؟ ام ليس من صحته اعتبار
اللفظ؟ فمن ألحقه بالعقود التي يعتبر فيها الأمران قال: لا نكاح منعقد
إلا بلفظ النكاح أو التزويج؛ ومن قال: إن اللفظ ليس من شرطه اعتبارا بما
ليس من شرطه اللفظ أجاز النكاح بأي لفظ اتفق إذا فهم المعنى الشرعي من ذلك،
أعني أنه إذا كان بينه وبين المعنى الشرعي مشاركة. -(الموضع الثاني) وأما من المعتبر قبوله في
صحة هذا العقد، فإنه يوجد في الشرع على ضربين: أحدهما يعتبر فيه رضا
المتناكحين أنفسهما: أعني الزوج والزوجة، إما مع الولي، وإما دونه على
مذهب من لا يشترط الولي في رضا المرأة المالكة أمر نفسها. والثاني يعتبر
فيه رضا الأولياء فقط، وفي كل واحد من هذين الضربين مسائل اتفقوا عليها،
ومسائل اختلفوا فيها، ونحن نذكر منها قواعدها وأصولها فنقول: أما الرجال
البالغون الأحرار المالكون لأمر أنفسهم فإنهم اتفقوا على اشتراط رضاهم
وقبولهم في صحة النكاح. واختلفوا هل يجبر العبد على النكاح سيده والوصي
محجوره البالغ أم ليس يجبره؟ فقال مالك: يجبر السيد عبده على النكاح،
وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يجبره. والسبب في اختلافهم هل
النكاح من حقوق السيد أم ليس من حقوقه؟ وكذلك اختلفوا في جبر الوصي
محجوره، والخلاف في ذلك موجود في المذهب. وسبب اختلافهم هل النكاح مصلحة
من مصالح المنظور له أم ليس بمصلحة وإنما طريقه الملاذ؟ وعلى القول بأن
النكاح واجب ينبغي أن لا يتوقف في ذلك. وأما النساء اللاتي يعتبر رضاهن
في النكاح، فاتفقوا على اعتبار رضا الثيب البالغ لقوله عليه الصلاة والسلام
"والثيب تعرب عن نفسها" إلا ما حكى عن الحسن البصري. واختلفوا في
البكر البالغ وفي الثيب الغير البالغ ما لم يكن ظهر منها الفساد. فأما
البكر البالغ فقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى: للأب فقط أن يجبرها على
النكاح؛ وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأبو ثور وجماعة: لا بد من
اعتبار رضاها؛ ووافقهم مالك في البكر المعنسة على أحد القولين عنه. وسبب
اختلافهم معارضة دليل الخطاب في هذا للعموم، وذلك أن ما روي عنه عليه
الصلاة والسلام من قوله: "لا تنكح اليتيمة إلا بإذنها" وقوله "تستأمر
اليتيمة في نفسها" أخرجه أبو داود، والمفهوم منه بدليل الخطاب أن ذات
الأب بخلاف اليتيمة، وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس المشهور
"والبكر تستأمر" يوجب بعمومه استئمار كل بكر. والعموم أقوى من دليل
الخطاب، مع أنه خرج مسلم في حديث ابن عباس زيادة، وهو أنه قال عليه الصلاة
والسلام: "والبكر يستأذنها أبوها" وهو نص في موضع الخلاف. وأما
الثيب الغير البالغ، فإن مالكا وأبا حنيفة قالا: يجبرها الأب على النكاح؛
وقال الشافعي: لا يجبرها، وقال المتأخرون: إن في المذهب فيها ثلاثة
أقوال: قول إن الأب يجبرها ما لم تبلغ بعد الطلاق، وهو قول أشهب؛ وقول
إنه يجبرها وإن بلغت، وهو قول سحنون؛ وقوله إنه لا يجبرها وإن لم تبلغ، وهو
قول أبي تمام؛ والذي حكيناه عن مالك هو الذي حكاه أهل مسائل الخلاف كابن
القصار وغيره عنه. وسبب اختلافهم معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك
أن قوله عليه الصلاة والسلام "تستأمر اليتيمة في نفسها ولا تنكح اليتيمة
إلا بإذنها" يفهم منه أن ذات الأب لا تستأمر إلا ما أجمع عليه
الجمهور من استئمار الثيب البالغ، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام "الثيب
أحق بنفسها من وليها" يتناول البالغ وغير البالغ، وكذلك قوله "لا تنكح
الأيم حتى تستأمر ولا تنكح حتى تستأذن" يدل بعمومه على ما قاله
الشافعي. ولاختلافهم في هاتين المسئلتين سبب آخر، وهو استنباط القياس من
موضع الإجماع، وذلك أنهم لما أجمعوا على أن الأب يجبر البكر غير البالغ،
وأنه لا يجبر الثيب البالغ إلا خلافا شاذا فيهما جميعا كما قلنا اختلفوا في
موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال الصغر قال: لا تجبر
البكر البالغ؛ ومن قال البكارة قال: تجبر البكر البالغ ولا تجبر الثيب
الصغيرة؛ ومن قال كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد قال: تجبر البكر
البالغ والثيب غير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل
الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة.
واختلفوا في الثيوبة التي ترفع الإجبار وتوجب النطق بالرضا أو الرد، فذهب
مالك وأبو حنيفة إلى أنها الثيوبة التي تكون بنكاح صحيح أو شبهة نكاح أو
ملك، وأنها لا تكون بزنى ولا بغصب؛ وقال الشافعي: كل ثيوبة ترفع
الإجبار. وسبب اختلافهم هل يتعلق الحكم بقوله عليه الصلاة والسلام
"الثيب أحق بنفسها من وليها" بالثيوبة الشرعية أم بالثيوبة
اللغوية؟. واتفقوا على أن الأب يجبر ابنه الصغير على
النكاح، وكذلك ابنته الصغيرة البكر، ولا يستأمرها لما ثبت "أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها بنت ست أو سبع وبنى بها بنت
تسع بإنكاح أبي بكر أبيها رضي الله عنه" إلا ما روي من الخلاف عن ابن
شبرمة. واختلفوا من ذلك في مسئلتين: إحداهما هل يزوج الصغيرة غير
الأب؟ والثانية هل يزوج الصغير غير الأب؟ فأما هل يزوج الصغيرة غير
الأب أم لا؟ فقال الشافعي: يزوجها الجد أبو الأب والأب فقط؛ وقال
مالك: لا يزوجها إلا الأب فقط، أو من جعل الأب له ذلك إذا عين الزوج إلا
أن يخاف عليها الضيعة والفساد؛ وقال أبو حنيفة: يزوج الصغيرة كل من له
عليها ولاية من أب وقريب وغير ذلك، ولها الخيار إذا بلغت، وسبب اختلافهم معارضة العموم للقياس، وذلك أن
قوله عليه الصلاة والسلام "والبكر تستأمر وإذنها صماتها" يقتضي العموم
في كل بكر إلا ذات الأب التي خصصها الإجماع، إلا الخلاف الذي ذكرناه، وكون
سائر الأولياء معلوما منهم النظر والمصلحة لوليتهم يوجب أن يلحقوا بالأب في
هذا المعنى، فمنهم من ألحق به جميع الأولياء ومنهم من ألحق به الجد فقط،
لأنه في معنى الأب إذ كان أبا أعلى، وهو الشافعي؛ ومن قصر ذلك على الأب رأى
أن ما للأب في ذلك غير موجود لغيره، إما من قبل أن الشرع خصه بذلك، وإما من
قبل أن يوجد فيه من الرأفة والرحمة لا يوجد في غيره، وهو الذي ذهب إليه
مالك رضي الله عنه، وما ذهب إليه أظهر {والله أعلم} إلا أن يكون هنالك
ضرورة. وقد احتج الحنفية بجواز إنكاح الصغار غير الآباء بقوله تعالى -(وأما الموضع الثالث) وهو هل يجوز عقد
النكاح على الخيار، فإن الجمهور على أنه لا يجوز؛ وقال أبو ثور يجوز.
السبب في اختلافهم تردد النكاح بين البيوع التي لا يجوز فيها الخيار،
والبيوع التي يجوز فيها الخيار، أو نقول إن الأصل في العقود أن لا خيار إلا
ما وقع عليه النص وعلى المثبت الخيار الدليل، أو نقول إن أصل منع الخيار
(هكذا هذه العبارة بالأصول، وليس لها معنى واضح) في البيوع هو الغرر
والأنكحة لا غرر فيها، لأن المقصود بها المكارمة لا المكايسة، ولأن الحاجة
إلى الخيار والرؤية في النكاح أشد منه في البيوع. وأما تراخي القبول من
أحد الطرفين عن العقد، فأجاز مالك من ذلك التراخي اليسير، ومنعه قوم،
وأجازه قوم، وذلك مثل أن ينكح الولي امرأة بغير إذنها، فيبلغها النكاح
فتجيزه، وممن منعه مطلقا الشافعي، وممن أجازه مطلقا أبو حنيفة وأصحابه،
والتفرقة بين الأمر الطويل والقصير لمالك. وسبب الخلاف هل من شرط
الانعقاد وجود القبول من المتعاقدين في وقت واحد معا، أم ليس ذلك شرطه؟
ومثل هذا الخلاف عرض في البيع. -(الركن الثاني: في شروط العقد) وفيه
ثلاثة فصول: الفصل الأول: في الأولياء. الثاني: في الشهود.
الثالث: في الصداق. -والنظر في الأولياء في مواضع أربعة:
الأول: في اشتراط الولاية في صحة النكاح. الموضع الثاني: في صفة
الولي. الثالث: في أصناف الأولياء وترتيبهم في الولاية، وما يتعلق
بذلك. الرابع: في عضل الأولياء من يلونهم، وحكم الاختلاف الواقع بين
الولي والمولى عليه. - وأما من السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق
على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام "الأيم أحق بنفسها من وليها،
والبكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وبهذا الحديث احتج داود في الفرق
عنده بين الثيب والبكر في هذا المعنى، فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من
السماع. فأما قوله تعالى وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله تعالى وحديث الزهري هو أن يكون موافقا هذا الحديث
أحرى من أن يكون معارضا له، ويحتمل أن تكون التفرقة بينهما في السكوت
والنطق فقط، ويكون السكوت كافيا في العقد والاحتجاج بقوله تعالى وأما احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل،
وذلك أنه يمكن أن يقال إن الرشد إذا وجد في المرأة اكتفى به في عقد النكاح
كما يكتفي به في التصرف في المال، ويشبه أن يقال إن المرأة مائلة بالطبع
إلى الرجال أكثر من ميلها إلى تبذير الأموال، فاحتاط الشرع بأن جعلها
محجورة في هذا المعنى على التأبيد، مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء
نفسها في غير موضع كفاءة إلى أوليائها، لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء
الفسخ أو الحسبة، والمسألة محتملة كما ترى، لكن الذي يغلب على الظن أنه لو
قصد الشارع اشتراط الولاية لبين جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم، فإن تأخر
البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فإذا كان لا يجوز عليه، عليه الصلاة والسلام
تأخير البيان عن وقت الحاجة وكان عموم البلوى في هذه المسألة يقتضي أن تنقل
اشتراط الولاية عنه صلى الله عليه وسلم تواترا أو قريبا من التواتر ثم لم
ينقل، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين: إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة
النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ذلك، وأما إن كان شرطا فليس من صحتها
تمييز صفات الولي وأصنافهم ومراتبهم، ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي
الأبعد مع وجوب الأقرب. - - -(فأما المسألة الأولى) فاختلف فيها قول
مالك، فمرة قال: إن زوج الأبعد مع حضور الأقرب فالنكاح مفسوخ، ومرة
قال: النكاح جائز، ومرة قال: للأقرب أن يجيز أو يفسخ، وهذا الخلاف كله
عنده فيما عدا الأب في ابنته البكر والوصي في محجورته، فإنه لا يختلف قوله
إن النكاح في هذين مفسوخ، أعني تزويج غير الأب البنت البكر مع حضور الأب أو
غير الوصي المحجورة مع حضور الوصي؛ وقال الشافعي: لا يعقد أحد مع حضور
الأب لا في بكر ولا في ثيب. وسبب هذا الاختلاف هو هل الترتيب حكم شرعي:
أعني ثابتا بالشرع في الولاية، أم ليس بحكم شرعي؟ وإن كان حكما فهل ذلك
حق من حقوق الولي الأقرب، أم ذلك حق من حقوق الله؟ فمن لم ير الترتيب
حكما شرعيا قال: يجوز نكاح الأبعد مع حضور الأقرب؛ ومن رأى أنه حكم شرعي
ورأى أنه حق للولي قال: النكاح منعقد، فإن أجازه الولي جاز، وإن لم يجزه
انفسخ؛ ومن رأى أنه حق لله قال: النكاح غير منعقد، وقد أنكر قوم هذا
المعنى في المذهب أعنى أن يكون النكاح منفسخا غير منعقد. -(وأما المسألة الثانية) فإن مالكا يقول:
إذا غاب الولي الأقرب انتقلت الولاية إلى الأبعد؛ وقال الشافعي: تنتقل
إلى السلطان. وسبب اختلافهم هل الغيبة في ذلك بمنزلة الموت أم لا؟ وذلك
أنه لا خلاف عندهم في انتقالها في الموت. -(وأما المسألة الثالثة) وهي غيبة الأب عن
ابنته البكر، فإن في المذهب فيها تفصيلا واختلافا، وذلك راجع إلى بعد
المكان وطول الغيبة أو قربه والجهل بمكانه أو العلم به. وحاجة البنت إلى
النكاح إما لعدم النفقة، وإما لما يخاف عليها من عدم الصون، وإما للأمرين
جميعا؛ فاتفق المذهب على أنه إذا كانت الغيبة بعيدة أو كان الأب مجهول
الموضع أو أسيرا وكانت في صون وتحت نفقة أنها إن لم تدع إلى التزويج لا
تزوج وإن دعت فتزوج عند الأسر وعند الجهل بمكانه، واختلفوا هل تزوج مع
العلم بمكانه أم لا إذا كان بعيدا، فقيل تزوج وهو قول مالك؛ وقيل لا تزوج،
وهو قول عبد الملك وابن وهب. وأما إن عدمت النفقة أو كانت في غير صون
فإنها تزوج أيضا في هذه الأحوال الثلاثة: أعني في الغيبة البعيدة، وفي
الأسر، والجهل بمكانه؛ وكذلك إن اجتمع الأمران فإذا كانت في غير صون تزوج
وإن لم تدع إلى ذلك؛ ولم يختلفوا فيما أحسب أنها لا تزوج في الغيبة القريبة
المعلومة لمكان إمكان مخاطبته، وليس يبعد بحسب النظر المصلحي الذي انبنى
عليه هذا النظر أن يقال إن ضاق الوقت وخشي السلطان عليها الفساد زوجت وإن
كان الموضع قريبا؛ وإذا قلنا إنه يجوز ولاية الأبعد مع حضور الأقرب؛ فإن
جعلت امرأة أمرها إلى وليين فزوجها كل واحد منهما، فإنه لا يخلو أن تكون
تقدم أحدهما في العقد على الآخر أو يكونا عقدا معا، ثم لا يخلو ذلك من أن
يعلمم المتقدم أو لا يعلم، فأما إذا علم المتقدم منهما فإجمعوا على أنها
للأول إذا لم يدخل بها واحد منهما. واختلفوا إذا دخل الثاني؛ فقال قوم هي
للأول؛ وقال قوم هي للثاني، وهو قول مالك وابن القاسم، وبالأول قال الشافعي
وابن عبد الحكم؛ وأما إن أنكحاها معا فلا خلاف في فسخ النكاح فيما أعرف.
وسبب الخلاف في اعتبار الدخول أو لا اعتباره معارضة العموم للقياس، وذلك
أنه قد روى أنه عليه الصلاة والسلام قال "أيما امرأة أنكحها وليان فهي
للأول منهما" فعموم هذا الحديث يقتضي أنها للأول دخل بها الثاني أو لم
يدخل؛ ومن اعتبر الدخول فتشبيها بفوات السلعة في البيع المكروه وهو ضعيف.
وأما إن لم يعلم الأول فإن الجمهور على الفسخ؛ وقال مالك: يفسخ ما لم
يدخل أحدهما؛ وقال شريح: تخير فأيهما اختارت كان هو الزوج، وهو شاذ، وقد
روى عن عمر بن عبد العزيز. - -واتفق أبو حنيفة والشافعي ومالك على أن
الشهادة من شرط النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط
صحة يؤمر به عند العقد، واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر. واختلفوا إذا
أشهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس سر؟ فقال مالك: هو سر
ويفسخ؛ وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس بسر. وسبب اختلافهم هل الشهادة في
ذلك حكم شرعي أم إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف أو الإنكار؟ فمن
قال حكم شرعي قال: هي شرط من شروط الصحة؛ ومن قال توثق قال: من شروط
التمام. والأصل في هذا ما روى عن ابن عباس "لا نكاح إلا بشاهدي عدل
وولي مرشد" ولا مخالف له من الصحابة، وكثير من الناس رأى هذا داخلا في
باب الإجماع وهو ضعيف، وهذا الحديث قد روى مرفوعا ذكره الدارقطني، وذكر أن
في سنده مجاهيل؛ وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده بشهادة فاسقين، لأن المقصود
عنده بالشهادة هو الإعلان فقط؛ والشافعي يرى أن الشهادة تتضمن المعنيين:
أعني الإعلان والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة؛ وأما مالك فليس تتضمن
عنده الإعلان إذا وصى الشاهدان بالكتمان. وسبب اختلافهم هل ما تقع فيه
الشهادة ينطلق عليه اسم السر أم لا؟ والأصل في اشتراط الإعلان قول النبي
عليه الصلاة والسلام "أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف" خرجه
أبو داود، وقال عمر فيه: هذا نكاح السر ولو تقدمت فيه لرجمت. وقال أبو
ثور وجماعة: ليس الشهود من شرط النكاح، لا شرط صحة ولا شرط تمام، وفعل
ذلك الحسن بن علي، وروى عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن بالنكاح. -والنظر في الصداق في ستة مواضع: الأول: في
حكمه وأركانه. الموضع الثاني في تقرر جميعه للزوجة. الموضع الثالث:
في تشطيره. الموضع الرابع: في التفويض وحكمه. الموضع الخامس:
الأصدقة الفاسدة وحكمها. الموضع السادس: في اختلاف الزوجين في
الصداق. - -(المسألة الأولى) أما حكمه فإنهم اتفقوا
على أنه شرط من شروط الصحة وأنه لا يجوز التواطؤ على تركه لقوله تعالى -(المسألة الثانية) وأما قدره فإنهم اتفقوا
على أنه ليس لأكثره حد. واختلفوا في أقله؛ فقال الشافعي وأحمد وإسحاق
وأبو ثور وفقهاء المدينة من التابعين: ليس لأقله حد، وكل ما جاز أن يكون
ثمنا وقيمة لشيء جاز أن يكون صداقا، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك؛ وقال
طائفة بوجوب تحديد أقله، وهؤلاء اختلفوا، فالمشهور في ذلك مذهبان: أولهما
مذهب مالك وأصحابه، والثاني مذهب أبي حنيفة وأصحابه؛ فأما مالك فقال:
أقله ربع دينار من الذهب أو ثلاثة دراهم كيلا من فضة، أو ما ساوى الدراهم
الثلاثة، أعني دراهم الكيل فقط في المشهور؛ وقيل أو ما يساوي أحدهما؛ وقال
أبو حنيفة: عشرة دراهم أقله؛ وقيل خمسة دراهم؛ وقيل أربعون درهما. وسبب
اختلافهم في التقدير سببان: أحدهما تردده بين أن يكون عوضا من الأعواض
يعتبر فيه التراضي بالقليل كان أو بالكثير كالحال في البيوعات، وبين أن
يكون عبادة فيكون مؤقتا، وذلك أنه من جهة أنه يملك به على المرأة منافعها
على الدوام يشبه العوض، ومن جهة أنه لا يجوز التراضي على إسقاطه يشبه
العبادة. والسبب الثاني معارضة هذا القياس فالمقتضى التحديد لمفهوم الأثر
الذي لا يقتضي التحديد. أما القياس الذي يقتضي التحديد فهو كما قلنا إنه
عبادة والعبادات مؤقتة. وأما الأثر الذي يقتضي مفهومه عدم التحديد فحديث
سهل بن سعد الساعدي المتفق على صحته، وفيه" أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياما
طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك حاجة بها، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل معك من شيء تصدقها إياه؟ فقال: ما
عندي إلا إزاري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إياه
جلست لا إزار لك فالتمس شيئا، فقال: لا أجد شيئا، فقال عليه الصلاة
والسلام: التمس ولو خاتما من حديد، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: هل معك شيء من القرآن؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة
كذا - لسور سماها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنكحتكها بما
معك من القرآن" قالوا: فقوله عليه الصلاة والسلام "التمس ولو خاتما
من حديد" دليل على أنه لا قدر لأقله لأنه لو كان له قدر لبينه إذ لا يجوز
تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذا الاستدلال بين كما ترى مع أن القياس الذي
اعتمده القائلون بالتحديد ليس تسلم مقدماته، وذلك أنه انبنى على مقدمتين:
إحداهما أن الصداق عبادة، والثانية أن العبادة مؤقتة، وفي كليهما نزاع
للخصم، وذلك أنه قد يلفى في الشرع من العبادات ما ليست مؤقتة، بل الواجب
فيها هو أقل ما ينطلق عليه الاسم. وأيضا فإنه ليس فيه شبه العبادات
خالصا، وإنما صار المرجحون لهذا القياس على مفهوم الأثر لاحتمال أن يكون
ذلك الأثر خاصا بذاك الرجل لقوله فيه "قد أنكحتكها بما معك من القرآن"
وهذا خلاف للأصول، وإن كان قد جاء في بعض رواياته أنه قال "قم فعلمها"
لما ذكر أنه معه من القرآن، فقام فعلمها، فجاء نكاحا بإجارة، لكن لما
التمسوا أصلا يقيسون عليه قدر الصداق لم يجدوا شيئا أقرب شبها به من نصاب
القطع على بعد ما بينهما. وذلك أن القياس الذي استعملوه في ذلك هو أنهم
قالوا: عضو مستباح بمال، فوجب أن يكون مقدرا أصله القطع، وضعف هذا القياس
هو من قبل الاستباحة فيهما هي مقولة باشتراك الاسم، وذلك أن القطع غير
الوطء، وأيضا فإن القطع استباحة على جهة العقوبة والأذى ونقص خلقه، وهذا
استباحة على جهة اللذة والمودة، ومن شأنه قياس الشبه على ضعفه أن يكون الذي
به تشابه الفرع والأصل شيئا واحدا لا باللفظ بل بالمعنى، وأن يكون الحكم
إنما وجد للأصل من جهة الشبه، وهذا كله معدوم في هذا القياس، ومع هذا فإنه
من الشبه الذي لم ينبه عليه اللفظ، وهذا النوع من القياس مردود عند
المحققين، لكن لم يستعملوا هذا القياس في إثبات التحديد المقابل لمفهوم
الحديث إذ هو في غاية الضعف، وإنما استعملوه في تعيين قدر التحديد. وأما
القياس الذي استعملوه في معارضة مفهوم الحديث فهو أقوى من هذا، ويشهد لعدم
التحديد ما خرجه الترمذي "أن امرأة تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ فقالت: نعم، فجوز
نكاحها" وقال هو حديث حسن صحيح. ولما اتفق القائلون بالتحديد على قياسه
على نصاب السرقة اختلفوا في ذلك بحسب اختلافهم في نصاب السرقة، فقال
مالك: هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم، لأنه النصاب في السرقة عنده، وقال
أبو حنيفة: هو عشرة دراهم، لأنه النصاب في السرقة عنده؛ وقال ابن شبرمة:
هو خمسة دراهم، لأنه النصاب عنده أيضا في السرقة. وقد احتجت الحنفية لكون الصداق محددا بهذا
القدر بحديث يروونه عن جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال"لا مهر
بأقل من عشرة دراهم" ولو كان هذا ثابتا لكان رافعا لموضع الخلاف لأنه كان
يجب لموضع هذا الحديث أن يحمل حديث سهل بن سعد على الخصوص، لكن حديث جابر
هذا ضعيف عند أهل الحديث فإنه يرويه، قالوا مبشر بن عبيد عن الحجاج بن
أرطأة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان، وعطاء أيضا لم يلق جابرا،
ولذلك لا يمكن أن يقال إن هذا الحديث معارض لحديث سهل بن سعد. -(المسألة الثالثة) أما جنسه فكل ما جاز أن
يتملك وأن يكون عوضا. واختلفوا من ذلك في مكانين: في النكاح بالإجارة،
وفي جعل عتق أمته صداقها. أما النكاح على الإجارة ففي المذهب فيه ثلاثة
أقوال: قول بالإجازة، وقول بالمنع، وقول بالكراهة: والمشهور عن مالك
الكراهة، ولذلك رأى فسخه قبل الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون، وهو
قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة
أجازه. وسبب اختلافهم سببان: أحدهما هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل
الدليل على ارتفاعه أم الأمر بالعكس؟ فمن قال هو لازم أجازه لقوله تعالى
- - والذي يقتضيه مذهب أهل الظاهر أن كل طلاق قبل
البناء فواجب أن يكون فيه التنصيف سواء كان من سببها أو سببه، وأن ما كان
فسخا ولم يكن طلاقا فلا تنصيف فيه. وسبب الخلاف هل هذه السنة معقولة
المعنى أم ليست بمعقولة؛ فمن قال إنها معقولة المعنى وأنه إنما وجب لها نصف
الصداق عوض ما كان لها لمكان الجبر على رد سلعتها وأخذ الثمن كالحال في
المشترى فلما فارق النكاح في هذا المعنى البيع جعل لها هذا عوضا من ذلك
الحق قال: إذا كان الطلاق من سببها لم يكن لها شيء لأنها أسقطت ما كان
لها من جبره على دفع الثمن وقبض السلعة، ومن قال إنها سنة غير معقولة واتبع
ظاهر اللفظ قال: يلزم التشطير في كل طلاق كان من سببه أو سببها. فأما
حكم ما يعرض للصداق من التغيرات قبل الطلاق فإن ذلك لا يخلو أن يكون من
قبلها أو من الله، فما كان من قبل الله فلا يخلو من أربعة أوجه: إما أن
يكون تلفا للكل، وإما أن يكون نقصا، وإما أن يكون زيادة، وأما أن يكون
زيادة ونقصا معا. وما كان من قبلها فلا يخلو أن يكون تصرفها فيه بتفويت
مثل البيع والعتق والهبة، أو يكون تصرفها فيه في منافعها الخاصة بها أو
فيما تتجهز به إلى زوجها؛ فعند مالك أنهما في التلف وفي الزيادة وفي
النقصان شريكان؛ وعند الشافعي أنه يرجع في النقصان والتلف عليها بالنصف ولا
يرجع بنصف الزيادة وسبب اختلافهم هل تملك المرأة الصداق قبل الدخول أو
الموت ملكا مستقرا أو لا تملكه؟ فمن قال إنها لا تملكه ملكا مستقرا
قال: هما فيه شريكان ما لم تتعد فتدخله في منافعها؛ ومن قال تملكه ملكا
مستقرا والتشطير حق واجب تعين عليها عند الطلاق وبعد استقرار الملك أوجب
الرجوع عليها بجميع ما ذهب عندها؛ ولم يختلفوا أنها إذا صرفته في منافعها
ضامنة للنصف. واختلفوا إذا اشترت به ما يصلحها للجهاز مما جرت به العادة
هل يرجع عليها بنصف ما اشترته أم بنصف الصداق الذي هو الثمن؟ فقال
مالك: يرجع عليها بنصف ما اشترته؛ وقال أبو حنيفة والشافعي: يرجع عليها
بنصف الثمن الذي هو الصداق. واختلفوا من هذا الباب في فرع مشهور متعلق
بالسماع وهو هل للأب أن يعفو عن نصف الصداق في ابنته البكر؟ أعني إذا
طلقت قبل الدخول وللسيد في أمته؟ فقال مالك: ذلك له؛ وقال أبو حنيفة
والشافعي: ليس ذلك له. وسبب اختلافهم هو الاحتمال الذي في قوله تعالى واختلفوا من هذا الباب في المرأة إذا وهبت
صداقها لزوجها ثم طلقت قبل الدخول؛ فقال مالك: ليس يرجع إليها بشيء؛ وقال
الشافعي: يرجع عليها بنصف الصداق. وسبب الخلاف هل النصف الواجب للزوج
بالطلاق هو في عين الصداق أو في ذمة المرأة؟ فمن قال في عين الصداق
قال: لا يرجع عليها بشيء لأنه قبض الصداق كله؛ ومن قال هو في ذمة المرأة
قال: يرجع وإن وهبته له كما لو وهبت له غير ذلك من مالها: وفرق أبو
حنيفة في هذه المسألة بين القبض ولا قبض، فقال: إن قبضت فله النصف وإن لم
تقبض حتى وهبت فليس له شيء كأنه رأى أن الحق في العين مالم تقبض، فإذا قبضت
صار في الذمة. - -(فأما المسألة الأولى) وهي إذا قامت
المرأة تطلب أن يفرض لها مهرا، فقالت طائفة: يفرض لها مهر مثلها، وليس
للزوج في ذلك خيار، فإن طلق بعد الحكم، فمن هؤلاء من قال: لها نصف
الصداق؛ ومنهم من قال: ليس لها شيء، لأن أصل الفرض لم يكن في عقد النكاح،
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ وقال مالك وأصحابه: الزوج بين خيارات ثلاث:
إما أن يطلق ولا يفرض، وإما أن يفرض ما تطلبه المرأة به، وإما أن يفرض صداق
المثل ويلزمها. وسبب اختلافهم، أعني بين من يوجب مهر المثل من غير خيار
للزوج إذا طلق بعد طلبها الفرض، ومن لا يوجب اختلافهم في مفهوم قوله تعالى
-(وأما المسألة الثانية) وهي إذا مات الزوج
قبل تسمية الصداق وقبل الدخول بها، فإن مالكا وأصحابه والأوزاعي قالوا:
ليس لها صداق ولها المتعة والميراث. وقال أبو حنيفة: لها صداق المثل
والميراث وبه وقال أحمد وداود، وعن الشافعي القولان جميعا، إلا أن المنصور
عند أصحابه وهو مثل قول مالك. وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر. أما
الأثر فهو ما روي عن ابن مسعود أنه سئل عن هذه المسألة فقال: أقول فيها
برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني: أرى لها صداق امرأة من
نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث، فقام معقل بن يسار
الأشجعي فقال: أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في
بروع بنت واشق، خرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه. وأما القياس
المعارض لهذا فهو أن الصداق عوض، فلما لم يقبض المعوض لم يجب العوض قياسا
على البيع. وقال المزني عن الشافعي في هذه المسألة: إن ثبت حديث بروع
فلا حجة في قول أحد مع السنة، والذي قاله هو الصواب والله أعلم. - -(المسألة الأولى) إذا كان الصداق خمرا أو
خنزيرا أو ثمرة لم يبد صلاحها أو بعيرا شاردا، وقال أبو حنيفة: العقد
صحيح إذا وقع فيه مهر المثل؛ وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما فساد
العقد وفسخه قبل الدخول وبعده وهو قول أبي عبيد. والثانية أنه إن دخل ثبت
ولها صداق المثل. وسبب اختلافهم هل حكم النكاح في ذلك حكم البيع أم ليس
كذلك؟ فمن قال حكمه حكم البيع قال: يفسد النكاح بفساد الصداق كما يفسد
البيع بفساد الثمن، ومن قال ليس من شرط صحة عقد النكاح صحة الصداق بدليل أن
ذكر الصداق ليس شرطا في صحة العقد قال: يمضي النكاح ويصحح بصداق المثل،
والفرق بين الدخول وعدمه ضعيف، والذي تقتضيه أصول مالك أن يفرق بين الصداق
المحرم العين وبين المحرم لصفة فيه قياسا على البيع، ولست أذكر الآن فيه
نصا. -(المسألة الثانية) واختلفوا إذا اقترن
بالمهر بيع مثل أن تدفع إليه عبدا ويدفع ألف درهم عن الصداق وعن ثمن العبد
ولا يسمى الثمن من الصداق، فمنعه مالك وابن القاسم، وبه قال أبو ثور،
وأجازه أشهب، وهو قول أبي حنيفة؛ وفرق عبد الله فقال: إن كان الباقي بعد
البيع ربع دينار فصاعدا بأمر لا يشك فيه جاز. واختلف فيه قول الشافعي،
فمرة قال: ذلك جائز، ومرة قال: فيه مهر المثل. وسبب اختلافهم هل
النكاح في ذلك شبيه بالبيع أم ليس بشبيه؟ فمن شبهه في ذلك بالبيع منعه،
ومن جوز في النكاح من الجهل ما لا يجوز في البيع قال يجوز. -(المسألة الثالثة) واختلف العلماء فيمن
نكح امرأة واشترط عليه في صداقها حباء يحابي به الأب على ثلاثة أقوال:
فقال أبو حنيفة وأصحابه: الشرط لازم والصداق صحيح؛ وقال الشافعي: المهر
فاسد ولها صداق المثل؛ وقال مالك: إذا كان الشرط عند النكاح فهو لابنته،
وإن كان بعد النكاح فهو له. وسبب اختلافهم تشبيه النكاح في ذلك بالبيع،
فمن شبهه بالوكيل يبيع السلعة ويشترط لنفسه حباء قال: لا يجوز النكاح كما
لا يجوز البيع؛ ومن جعل النكاح في ذلك مخالفا للبيع قال: يجوز. وأما
تفريق مالك فلأنه اتهمه إذا كان الشرط في عقد النكاح أن يكون ذلك الذي
اشترطه لنفسه نقصانا من صداق مثلها، ولم يتهمه إذا كان بعد انعقاد النكاح
والاتفاق على الصداق، وقول مالك هو قول عمر ابن عبد العزيز والثوري وأبي
عبيد. وخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أيما امرأة نكحت على حباء
قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما
أُكرِم الرجل عليه ابنته وأخته" وحديث عمرو بن شعيب مختلف فيه من قبل أنه
صحفه، ولكنه نص في قول مالك. وقال أبو عمر بن عبد البر: إذا روته
الثقات وجب العمل به. -(المسألة الرابعة) واختلفوا في الصداق
يستحق أو يوجد به عيب، فقال الجمهور: النكاح ثابت. واختلفوا هل ترجع
بالقيمة أو بالمثل أو بمهر المثل؟ واختلف في ذلك قول الشافعي، فقال مرة
بالقيمة، وقال مرة بمهر المثل؛ وكذلك قال اختلف المذهب في ذلك، فقيل ترجع
بالقيمة، وقيل ترجع بالمثل. قال أبو الحسن اللخمي: ولو قيل ترجع بالأقل
من القيمة أو صداق المثل لكان ذلك وجها. وشذ سحنون فقال: النكاح
فاسد. ومبنى الخلاف هل يشبه النكاح في ذلك البيع أو لا يشبهه؟ فمن شبهه
قال: ينفسخ؛ ومن لم يشبهه قال: لا ينفسخ. (المسألة الخامسة) واختلفوا في الرجل ينكح
المرأة على أن الصداق ألف إن لم يكن له زوجة، وإن كانت له زوجة فالصداق
ألفان، فقال الجمهور بجوازه. واختلفوا في الواجب في ذلك، فقال قوم:
الشرط جائز، ولها من الصداق بحسب ما اشترط؛ وقالت طائفة: لها مهر المثل،
وهو قول الشافعي وبه قال أبو ثور، إلا أنه قال: إن طلقها قبل الدخول لم
يكن لها إلا المتعة؛ وقال أبو حنيفة: إن كانت له امرأة فلها ألف درهم،
وإن لم تكن له امرأة فلها مهر مثلها ما لم يكن أكثر من الألفين أو أقل من
الألف؛ ويتخرج في هذا قول أن النكاح مفسوخ لمكان الغرر، ولست أذكر الآن نصا
فيها في المذهب فهذه مشهور مسائلهم في هذا الباب وفروعه كثيرة..
واختلفوا فيما يعتبر به مهر المثل إذا قضى به في هذه المواضع وما أشبهها،
فقال مالك: يعتبر في جمالها ونصابها (قوله ونصابها: هكذا في النسخ
ولعله منصبها فتأمل ا هـ مصححه) ومالها؛ وقال الشافعي: يعتبر بنساء
عصبتها فقط؛ وقال أبو حنيفة: يعتبر في ذلك نساء قرابتها من العصبة
وغيرهم، ومبنى الخلاف هل المماثلة في المنصب فقط أو في المنصب والمال
والجمال، لقوله عليه الصلاة والسلام "تنكح المرأة لدينها وجمالها
وحسبها" الحديث. - واختلافهم مبني على اختلافهم في مفهوم قوله
عليه الصلاة والسلام "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" هل ذلك
معلل أو غير معلل؟ فمن قال معلل قال: يحلف أبدا أقواهما شبهة، فإن
استويا تحالفا وتفاسخا، ومن قال غير معلل قال: يحلف الزوج لأنها تقر له
بالنكاح وجنس الصداق وتدعي عليه قدرا زائدا فهو مدعى عليه؛ وقيل أيضا
يتحالفان أبدا، لأن كل واحد منهما مدعى عليه، وذلك عند من لم يراع الأشباه،
والخلاف في ذلك في المذهب ومن قال القول قولها إلى مهر المثل، والقول قوله
فيما زاد على مهر المثل رأى أنهما لا يستويان أبدا في الدعوى، بل يكون
أحدهما ولابد أقوى شبهة، وذلك أنه لا يخلو دعواها من أن يكون فيما يعادل
صداق مثلها فما دونه فيكون القول قولها، أو يكون فيما فوق ذلك فيكون القول
قوله. وسبب اختلاف مالك والشافعي في التفاسخ بعد التحالف والرجوع إلى
صداق المثل، هو هل يشبه النكاح بالبيع في ذلك أم ليس يشبه؟ فمن قال يشبه
به قال بالتفاسخ؛ ومن قال لا يشبه، لأن الصداق ليس من شرط صحة العقد قال:
بصداق المثل بعد التحالف وكذلك من زعم من أصحاب مالك أنه لا يجوز لهما بعد
التحالف أن يتراضيا على شيء ولا أن يرجع أحدهما إلى قول الآخر ويرضى به فهو
في غاية الضعف؛ ومن ذهب إلى هذا فإنما يشبه باللعان، وهو تشبيه ضعيف مع أن
وجود هذا الحكم للعان مختلف فيه. وأما إذا اختلفا في القبض فقالت الزوجة
لم أقبض، وقال الزوج قد قبضت فقال الجمهور: القول قول المرأة الشافعي
والثوري وأحمد وأبو ثور؛ وقال مالك: القول قولها قبل الدخول، والقول قوله
بعد الدخول؛ وقال بعض أصحابه: إنما قال ذلك مالك لأن العرف بالمدينة كان
عندهم أن لا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق، فإن كان بلد ليس فيه هذا العرف
كان القول قولها أبدا؛ والقول بأن القول قولها أبدا أحسن لأنها مدعى عليها،
ولكن مالك راعى قوة الشبهة التي له إذا دخل بها الزوج؛ واختلف أصحاب مالك
إذا طال الدخول هل يكون القول قوله بيمين أو بغير يمين أحسن. وأما إذا
اختلف في جنس الصداق فقال هو مثلا زوجتك على هذا العبد، وقالت هي زوجتك على
هذا الثوب، فالمشهور في المذهب أنهما يتحالفان ويتفاسخان إن كان الاختلاف
قبل البناء وإن كان بعد البناء ثبت وكان لها صداق مثل ما لم يكن أكثر مما
ادعت أو أقل مما اعترف به؛ وقال ابن القصار: يتحالفان قبل الدخول، والقول
قول الزوج بعد الدخول؛ وقال أصبغ: القول قول الزوج إن كان يشبه سواء أشبه
قولهما أو لم يشبه، فإن لم يشبه قول الزوج فإن كان قولها مشبها كان القول
قولها، وإن لم يكن قولها مشبها تحالفا وكان لها صداق المثل؛ وقول الشافعي
في هذه المسألة مثل قوله عند اختلافها في القدر: أعني يتحالفان ويتراجعان
إلى مهر المثل. وسبب قول الفقهاء بالتفاسخ في البيع ستعرف أصله في كتاب
البيوع إن شاء الله. وأما اختلافهم في الوقت فإنه يتصور في الكالئ.
والذي يجيء على أصل قول مالك فيه في المشهور عنه أن القول في الأجل قول
الغارم قياسا على البيع وفيه خلاف ويتصور أيضا متى يجب هل قبل الدخول أو
بعده؟ فمن شبه النكاح بالبيوع قال: لا يجب إلا بعد الدخول قياسا على
البيع إذ لا يجب الثمن على المشتري إلا بعد قبض السلعة ومن رأى أن الصداق
عبادة يشترط في الحلية قال: يجب قبل الدخول لذلك استحب مالك أن يقدم
الزوج قبل الدخول شيئا من الصداق. -وكل امرأة فإنها تحل في الشرع بوجهين: إما
بنكاح، أو بملك يمين. والموانع الشرعية بالجملة تنقسم أولا إلى قسمين:
موانع مؤبدة، وموانع غير مؤبدة. والموانع المؤبدة تنقسم إلى متفق عليها،
ومختلف فيها. فالمتفق عليها ثلاث: نسب، وصهر، ورضاع. والمختلف فيها
الزنى، واللعان والغير مؤبدة تنقسم إلى تسعة: أحدها مانع العدد.
والثاني: مانع الجمع. والثالث: مانع الرق والرابع: مانع الكفر
والخامس: مانع الإحرام. والسادس: مانع المرض. والسابع: مانع
العدة على اختلاف في عدم تأييده. والثامن: مانع التطليق ثلاثا
للمطلق. والتاسع: مانع الزوجية. فالموانع الشرعية بالجملة أربعة عشر
مانعا، ففي هذا الباب أربعة عشر فصلا. -واتفقوا على أن النساء اللائي يحرمن من قبل
النسب السبع المذكورات في القرآن: الأمهات والبنات والأخوات والعمات
والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. واتفقوا على أن الأم ههنا: اسم لكل
أنثى لها عليك ولادة من جهة الأم أو من جهة الأب؛ والبنت: اسم لكل أنثى
لك عليها ولادة من قبل الابن أو من قبل البنت أو مباشرة؛ أما الأخت: فهي
اسم لكل أنثى شاركتك في أحد أصليك أو مجموعيهما أعني الأب أو الأم أو
كليهما؛ والعمة: اسم لكل أنثى هي أخت لأبيك أو لكل ذكر له عليك ولادة؛
وأما الخالة: فهي اسم لأخت أمك أو أخت كل أنثى لها عليك ولادة؛ وبنات
الأخ: اسم لكل أنثى لأخيك عليها ولادة من قبل أمها أو من قبل أبيها أو
مباشرة؛ وبنات الأخت: اسم لكل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة أو من قبل
أمها أو من قبل أبيها. فهؤلاء الأعيان السبع محرمات، ولا خلاف أعلمه في
هذه الجملة. والأصل فيها قوله تعالى (حرمت عليكم) إلى آخر الآية.
وأجمعوا على أن النسب الذي يحرم الوطء بنكاح يحرم الوطء بملك اليمين. -وأما المحرمات بالمصاهرة فإنهن أربع: زوجات
الآباء، والأصل فيه قوله تعالى -(المسألة الأولى) وهي هل من شرط تحريم بنت
الزوجة أن تكون في حجر الزوج أم ليس ذلك من شرطه؟ فإن الجمهور على أن ذلك
ليس من شرط التحريم؛ وقال داود ذلك من شرطه؛ ومبني الخلاف هل قوله تعالى -(المسألة الثانية) وأما هل تحرم البنت
بمباشرة الأم فقط أو بالوطء؟ فإنهم اتفقوا على أن حرمتها بالوطء.
واختلفوا فيما دون الوطء من اللمس والنظر إلى الفرج لشهوة أو لغير شهوة هل
ذلك يحرم أم لا؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث بن
سعد: إن اللمس لشهوة يحرم الأم، وهو أحد قولي الشافعي؛ وقال داود
والمزني: لا يحرمها إلا الوطء وهو أحد قولي الشافعي المختار عنده، والنظر
عند مالك كاللمس إذا كان نظر تلذذ إلى أي عضو كان، وفيه عنه خلاف؛ ووافقه
أبو حنيفة في النظر إلى الفرج فقط؛ وحمل الثوري النظر محمل اللمس ولم يشترط
اللذة؛ وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى والشافعي في أحد قوليه فلم يوجب في
النظر شيئا، وأوجب في اللمس. ومبنى الخلاف هل المفهوم من اشتراط الدخول
في قوله تعالى -(المسألة الثالثة) وأما الأم فذهب الجمهور
من كافة فقهاء الأمصار إلى أنها تحرم بالعقد على البنت دخل بها أو لم يدخل،
وذهب قوم إلى أن الأم لا تحرم إلا بالدخول على البنت كالحال في البنت:
أعني أنها لا تحرم إلا بالدخول على الأم، وهو مروي عن علي وابن عباس رضي
الله عنهما من طرق ضعيفة. ومبنى الخلاف هل الشرط في قوله تعالى -(وأما المسألة الرابعة) فاختلفوا في الزنا
هل يوجب من التحريم في هؤلاء ما يوجب الوطء في نكاح صحيح أو بشبهة؟ أعني
الذي يدرأ فيه الحد، فقال الشافعي: الزنا بالمرأة لا يحرم نكاح أمها ولا
ابنتها ولا نكاح أبي الزاني لها ولا ابنه؛ وقال أبي حنيفة: والثوري
والأوزاعي: يحرم الزنا ما يحرم النكاح وأما مالك ففي المؤطأ عنه قول
الشافعي أنه لا يحرم، وروى عنه ابن القاسم مثل قول أبي حنيفة أنه يحرم؛
وقال سحنون: أصحاب مالك يخالفون ابن القاسم فيها، ويذهبون إلى ما في
المؤطأ؛ وقد روى عن الليث أن الوطء بشبهة لا يحرم وهو شاذ. وسبب الخلاف
الاشتراك في اسم النكاح: أعني في دلالته على المعنى الشرعي واللغوي، فمن
راعى الدلالة اللغوية في قوله تعالى -واتفقوا على أن الرضاع بالجملة يحرم منه ما
يحرم من النسب: أعني أن المرضعة تنزل منزلة الأم، فتحرم على المرضع هي
وكل من يحرم على الابن من قبل أم النسب. واختلفوا من ذلك في مسائل كثيرة،
والقواعد منها تسع: إحداها: في مقدار المحرم من اللبن. والثانية:
في سن الرضاع. والثالثة: في حال المرضع في ذلك الوقت عند من يشترط
للرضاع المحرم وقتا خاصا. والرابعة: هل يعتبر فيه وصوله برضاع والتقام
الثدي أو لا يعتبر. والخامسة: هل يعتبر فيه المخالطة أم لا يعتبر.
والسادسة: هل يعتبر فيه الوصول من الحلق أو لا يعتبر والسابعة: هل ينزل
صاحب اللبن: أعني الزوج من المرضع منزلة الأب، وهو الذي يسمونه لبن الفحل
أم ليس ينزل منه بمنزلة أب. والثامنة: الشهادة على الرضاع.
والتاسعة: صفة المرضعة. -(المسألة الأولى) أما مقدار المحرم من
اللبن فإن قوما قالوا فيه بعدم التحديد وهو مذهب مالك وأصحابه؛ وروى عن علي
وابن مسعود وهو قول ابن عمر وابن عباس، وهؤلاء يحرم عندهم أي قدر كان، وبه
قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي؛ وقالت طائفة: بتحديد القدر
المحرم، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاث فرق، فقالت طائفة: لا تحرم المصة ولا
المصتان وتحرم الثلاث رضعات فما فوقها، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور؛ وقالت
طائفة: المحرم خمس رضعات، وبه قال الشافعي؛ وقالت طائفة: عشر رضعات.
والسبب في اختلافهم في هذه المسألة معارضة عموم الكتاب للأحاديث الواردة في
التحديد ومعارضة الأحاديث في ذلك بعضها بعضا. فأما عموم الكتاب فقوله
تعالى -(المسألة الثانية) واتفقوا على أن الرضاع
يحرم في الحولين. واختلفوا في رضاع الكبير فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي
وكافة الفقهاء: لا يحرم رضاع الكبير؛ وذهب داود وأهل الظاهر إلى أنه
يحرم، وهو مذهب عائشة، ومذهب الجمهور هو مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبي
هريرة وابن عباس وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام. وسبب اختلافهم
تعارض الآثار في ذلك. وذلك أنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما حديث سالم،
وقد تقدم، والثاني حديث عائشة خرجه البخاري ومسلم قالت "دخل رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعندي رجل، فاشتد ذلك عليه ورأيت الغضب في وجهه،
فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة، فقال عليه الصلاة والسلام:
انظرن من إخوانكن من الرضاعة فإن الرضاعة من المجاعة" فمن ذهب إلى ترجيح
هذا الحديث قال: لا يحرم اللبن الذي لا يقوم للمرضع مقام الغذاء، إلا أن
حديث سالم نازلة في عين، وكان سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يرون
ذلك رخصة لسالم؛ ومن رجح حديث سالم وعلل حديث عائشة بأنها لم تعمل به
قال: يحرم رضاع الكبير. -(المسألة الثالثة) واختلفوا إذا استغنى
المولود بالغذاء قبل الحولين وفطم ثم أرضعته امرأة فقال مالك: لا يحرم
ذلك الرضاع؛ وقال أبو حنيفة والشافعي: تثبت الحرمة به. وسبب اختلافهم
اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام "فإنما الرضاعة من
المجاعة" فإنه يحتمل أن يريد بذلك الرضاع الذي يكون في سن المجاعة كيفما
كان الطفل وهو سن الرضاع، ويحتمل أن يريد إذا كان الطفل غير مفطوم، فإن فطم
في بعض الحولين لم يكن رضاعا من المجاعة، فالاختلاف آيل إلى أن الرضاع الذي
سببه المجاعة والافتقار إلى اللبن هل يعتبر فيه الافتقار الطبيعي للأطفال
وهو الافتقار الذي سببه سن الرضاع أو افتقار المرضع نفسه وهو الذي يرتفع
بالفطم ولكنه موجود بالطبع، والقائلون بتأثير الإرضاع في مدة الرضاع سواء
من اشترط منهم الفطام (قوله الفطام: هكذا بالنسخ، ولعله عدم الفطام
لأنه لم يشترط أحد الفطام في التحريم، بل مالك اشترط عدم الفطام تأمل ا هـ
مصححه). أو لم يشترطه اختلفوا في هذه المدة، فقال هذه بالمدة حولان
فقط، وبه قال زفر؛ واستحسن مالك التحريم في الزيادة اليسيرة على العامين،
وفي قول الشهر عنه، وفي قول عنه إلى ثلاثة أشهر؛ وقال أبو حنيفة: حولان
وستة شهور. وسبب اختلافهم ما يظن من معارضة آية الرضاع لحديث عائشة
المتقدم، وذلك أن قوله تعالى -(المسألة الرابعة) وأما هل يحرم الوجور
واللدود، وبالجملة ما يصل إلى الحلق من غير رضاع، فإن مالكا قال: يحرم
الوجور واللدود؛ وقال عطاء وداود: لا يحرم. وسبب اختلافهم هل المعتبر
وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف، أو وصوله على الجهة المعتادة؟ فمن راعى
وصوله على الجهة المعتادة وهو الذي ينطلق عليه اسم الرضاع قال: لا يحرم
الوجور ولا اللدود؛ ومن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل قال:
يحرم. -(المسألة الخامسة) وأما هل من شرط اللبن
المحرم إذا وصل إلى الحلق أن يكون غير مخالط لغيره، فإنهم اختلفوا في ذلك
أيضا، فقال ابن القاسم: إذا استهلك اللبن في ماء أو غيره ثم سقيه الطفل
لم تقع الحرمة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ وقال الشافعي وابن حبيب ومطرف
وابن الماجشون من أصحاب مالك: تقع به الحرمة بمنزلة ما لو انفرد اللبن أو
كان مختلطا لم تذهب عينه. وسبب اختلافهم هل يبقى للبن حكم الحرمة إذا
اختلط بغيره، أم لا يبقى به حكمها كالحال في النجاسة إذا خالطت الحلال
الطاهر. والأصل المعتبر في ذلك انطلاق اسم اللبن عليه كالماء هل يطهر إذا
خالطه شيء طاهر؟. -(المسألة السادسة) وأما هل يعتبر فيه
الوصول إلى الحلق أو لا يعتبر فإنه يشبه أن يكون هذا هو سبب اختلافهم في
السعوط باللبن والحقنة به. ويشبه أن يكون اختلافهم في ذلك لموضع الشك هل
يصل اللبن من هذه الأعضاء أو لا يصل؟. -(المسألة السابعة) وأما هل يصير الرجل
الذي له اللبن: أعني زوج المرأة أبا للمرضع حتى يحرم بينهما ومن قبلهما
ما يحرم من الآباء والأبناء الذين من النسب وهي التي يسمونها لبن الفحل،
فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد والأوزاعي
والثوري: لبن الفحل يحرم؛ وقالت طائفة: لا يحرم لبن الفحل، وبالأول قال
علي وابن عباس، وبالقول الثاني قالت عائشة وابن الزبير وابن عمر. وسبب
اختلافهم معارضة ظاهر الكتاب لحديث عائشة المشهور: أعني آية الرضاع،
وحديث عائشة هو "قالت جاء أفلح أخو أبي القعيس يستأذن علي بعد أن أنزل
الحجاب فأبيت أن آذن له، وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه
عمك فأذني له، فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل،
فقال: إنه عمك فليلج عليك" خرجه البخاري ومسلم ومالك؛ فمن رأى أن ما في
الحديث شرع زائد على ما في الكتاب، وهو قوله تعالى -(المسألة الثامنة) وأما الشهادة على
الرضاع فإن قوما قالوا: لا تقبل فيه إلا شهادة امرأتين، وقوما قالوا:
لا تقبل فيه إلا شهادة أربع، وبه قال الشافعي وعطاء؛ وقوما قالوا تقبل فيه
شهادة امرأة واحدة؛ والذين قالوا تقبل فيه شهادة امرأتين منهم من اشترط في
ذلك فشو قولهما بذلك قبل الشهادة. وهو مذهب مالك وابن القاسم؛ ومنهم من
لم يشترطه، وهو قول مطرف وابن الماجشون. والذين أجازوا أيضا شهادة امرأة
واحدة منهم من لم يشترط فشو قولها قبل الشهادة، وهو مذهب أبي حنيفة؛ ومنهم
من اشترط ذلك، وهي رواية عن مالك، وقد روى عنه أنه لا تجوز فيه شهادة أقل
من اثنتين. والسبب في اختلافهم، أما بين الأربع والاثنتين فاختلافهم في
شهادة النساء هل عديل كل رجل هو امرأتان فيما ليس يمكن فيه شهادة الرجل أو
يكفي في ذلك امرأتان، وستأتي هذه المسألة في كتاب الشهادات إن شاء الله
تعالى. وأما اختلافهم في قبول شهادة المرأة الواحدة فمخالفة الأثر الوارد
في ذلك للأصل المجمع عليه، أعني أنه لا يقبل من الرجال أقل من اثنين، وأن
حال النساء في ذلك إما أن يكون أضعف من حال الرجال، وإما أن تكون أحوالهم
في ذلك مساوية للرجال، والإجماع منعقد على أنه لا يقضي بشهادة واحدة،
والأمر الوارد في ذلك هو حديث عقبة بن الحارث قال "يا رسول الله إني
تزوجت امرأة فأتت امرأة فقالت: قد أرضعتكما، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: كيف وقد قيل؟ دعها عنك" وحمل بعضهم هذا الحديث على الندب
جمعا بينه وبين الأصول وهو أشبه، وهي رواية عن مالك. -(المسألة التاسعة) وأما صفة المرضعة فإنهم
اتفقوا على أنه يحرم لبن كل امرأة بالغ وغير بالغ، واليائسة من المحيض كان
لها زوج أم لم يكن، حاملا كانت أم غير حامل؛ وشذ بعضهم فأوجب حرمة للبن
الرجل، وهذا غير موجود فضلا عن أن يكون له حكم شرعي، وإن وجد فليس لبنا إلا
باشتراك الإسم. واختلفوا من هذا الباب في لبن الميتة. وسبب الخلاف هل
يتناولها العموم أو لا يتناولها، ولا لبن للميتة إن وجد لها إلا باشتراك
الاسم، ويكاد أن تكون مسألة غير واقعة فلا يكون لها وجود إلا في القول.
-واختلفوا في زواج الزانية. فأجاز هذا
الجمهور، ومنعها قوم. وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى -واتفق المسلمون على جواز نكاح أربعة من النساء
معا، وذلك للأحرار من الرجال. واختلفوا في موضعين: في العبيد، وفيما
فوق الأربع. وأما العبيد فقال مالك في المشهور عنه: يجوز أن ينكح
أربعا، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز له الجمع
إلا بين اثنتين فقط. وسبب اختلافهم هل العبودية لها تأثير في إسقاط هذا
العدد كما لها تأثير في إسقاط نصف الحد الواجب على الحر في الزنا، وكذلك في
الطلاق عند من رأى ذلك. وذلك أن المسلمين اتفقوا على تنصيف حده في
الزنا: أعني أن حده نصف حد الحر، واختلفوا في غير ذلك. وأما ما فوق
الأربع فإن الجمهور على أنه لا تجوز الخامسة لقوله تعالى -واتفقوا على أنه لا يجمع بين الأختين بعقد
نكاح لقوله تعالى -واتفقوا على أنه يجوز للعبد أن ينكح الأمة،
وللحرة أن تنكح العبد إذا رضيت بذلك هي وأولياؤها. واختلفوا في نكاح الحر
الأمة، فقال قوم: يجوز بإطلاق، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم؛ وقال
قوم: لا يجوز إلا بشرطين: عدم الطول، وخوف العنت، وهو المشهور من مذهب
مالك، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. والسبب في اختلافهم معارضة دليل
الخطاب في قوله تعالى -واتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح
الوثنية لقوله تعالى -واختلفوا في نكاح المحرِم فقال مالك والشافعي
والليث والأوزاعي وأحمد لا ينكح المحرم ولا يُنكح، فإن فعل ذلك فالنكاح
باطل، وهو قول عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت. وقال أبو
حنيفة: لا بأس بذلك. وسبب اختلافهم تعارض النقل في هذا الباب، فمنها
حديث ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم"
وهو حديث ثابت النقل خرجه أهل الصحيح وعارضه أحاديث كثيرة عن ميمونة "أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال" قال أبو عمر: رويت عنها
من طرق شتى، من طريق أبي رافع، ومن طريق سليمان بن يسار وهو مولاها، وعن
يزيد بن الأصم. وروى مالك أيضا من حديث عثمان بن عفان مع هذا أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب"
فمن رجح هذه الأحاديث على حديث ابن عباس قال: لا ينكح المحرم ولا يُنكح؛
ومن رجح حديث ابن عباس أو جمع بينه وبين حديث عثمان بن عفان بأن حمل النهى
الوارد في ذلك على الكراهية قال: ينكح ويُنكح، وهذا راجع إلى تعارض الفعل
والقول والوجه الجمع أو تغليب القول. -واختلفوا في نكاح المريض، فقال أبو حنيفة
والشافعي: يجوز؛ وقال مالك في المشهور عنه: إنه لا يجوز، ويتخرج ذلك من
قوله إنه يفرق بينهما وإن صح، ويتخرج من قوله إنه لا يفرق بينهما أن
التفريق مستحب غير واجب. وسبب اختلافهم تردد النكاح بين البيع وبين
الهبة، وذلك أنه لا تجوز هبة المريض إلا من الثلث ويجوز بيعه ولاختلافهم
أيضا سبب آخر، وهو هل يتهم على إضرار الورثة بإدخال وارث زائد أو لا
يتهم؟ وقياس النكاح على الهبة غير صحيح، لأنهم اتفقوا على أن الهبة تجوز
إذا حملها الثلث، ولم يعتبروا بالنكاح هنا بالثلث، ورد جواز النكاح بإدخال
وارث قياس مصلحي لا يجوز عند أكثر الفقهاء، وكونه يوجب مصالح لم يعتبرها
الشرع إلا في جنس بعيد من الجنس الذي يرام فيه إثبات الحكم بالمصلحة، حتى
إن قوما رأوا أن القول بهذا القول شرع زائد وإعمال هذا القياس يوهن ما في
الشرع من التوقيف، وأنه لا يجوز الزيادة فيه كما لا يجوز النقصان والتوقف
أيضا عن اعتبار المصالح تطرق للناس أن يتسرعوا لعدم السنن التي في ذلك
الجنس إلى الظلم، فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع
الفضلاء الذين لا يتهمون بالحكم بها؛ وبخاصة إذا فهم من أهل ذلك الزمان أن
في الاشتغال بظواهر الشرائع تطرقا إلى الظلم؛ ووجه عمل الفاضل العالم في
ذلك أن ينظر إلى شواهد الحال، فإن دلت الدلائل على أنه قصد بالنكاح خيرا لا
يمنع النكاح وإن دلت على أنه قصد الإضرار بورثته منع من ذلك كما في أشياء
كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم
إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد مؤقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب
وغيرها من الصنائع المختلفة. -واتفقوا على أن النكاح لا يجوز في العدة كانت
عدة حيض أو عدة حمل أو عدة أشهر. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها ودخل
بها، فقال مالك والأوزاعي والليث: يفرق بينهما ولا تحل له أبدا؛ وقال أبو
حنيفة والشافعي والثوري: يفرق بينهما، وإذا انقضت العدة بينهما فلا بأس
في تزويجه إياها مرة ثانية. وسبب اختلافهم هل قول الصاحب حجة أم ليس
بحجة؟ وذلك أن مالكا روى عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار
أن عمر ابن الخطاب فرق بين طليحة الأسدية وبين زوجها راشدا الثقفي لما
تزوجها في العدة من زوج ثان وقال: أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان
زوجها الذي تزوجها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من الأول،
ثم كان الآخر خاطبا من الخطاب؛ وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية
عدتها من الأول، ثم اعتدت من الآخر، ثم لا يجتمعان أبدا. قال سعيد:
ولها مهرها بما استحل منها. وربما عضدوا هذا القياس بقياس شبه ضعيف مختلف
في أصله، وهو أنه أدخل في النسب شبهة فأشبه الملاعن. وروي عن علي وابن
مسعود مخالفة عمر في هذا. والأصل أنها لا تحرم إلا أن يقوم على ذلك دليل
من كتاب أو سنة أو إجماع من الأمة. وفي بعض الروايات أن عمر كان قضى
بتحريمها، وكون المهر في بيت المال، فلما بلغ ذلك عليا أنكره فرجع عن ذلك
عمر، وجعل الصداق على الزوج ولم يقض بتحريمها عليه، رواه الثوري عن أشعث عن
الشعبي عن مسروق. وأما من قال بتحريمها بالعقد فهو ضعيف. وأجمعوا على
أنه لا توطأ حامل مسبية حتى تضع، لتواتر الأخبار بذلك عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم. واختلفوا إن وطيء هل يعتق عليه الولد أو لا يعتق،
والجمهور على أنه لا يعتق. وسبب اختلافهم هل ماؤه مؤثر في خلقته أو غير
مؤثر؟ فإن قلنا أنه مؤثر كان له ابنا بجهة ما، وإن قلنا أنه ليس بمؤثر لم
يكن ذلك. وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال "كيف يستعبده وقد
غذاه في سمعه وبصره". وأما النظر في مانع التطليق ثلاثا، فسيأتي في
كتاب الطلاق. -وأما مانع الزوجية فإنهم اتفقوا على أن
الزوجية بين المسلمين مانعة وبين الذميين. واختلفوا في المسبية على ما
تقدم؛ واختلفوا أيضا في الأمة إذا بيعت هل يكون بيعها طلاقا؟ فالجمهور
على أنه ليس بطلاق؛ وقال قوم: هو طلاق، وهو مروي عن ابن عباس وجابر وابن
مسعود وأبي بن كعب. وسبب اختلافهم معارضة مفهوم حديث بريرة لعموم قوله
تعالى -(فأما المسألة الأولى) وهي إذا أسلم
الكافر وعنده أكثر من أربع نسوة أو أسلم وعنده أختان، فإن مالكا قال:
يختار منهن أربعا ومن الأختين واحدة أيتهما شاء، وبه قال الشافعي وأحمد
وداود؛ وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى: يختار الأوائل منهن في
العقد، فإن تزوجهن في عقد واحد فرق بينه وبينهن؛ وقال ابن الماجشون من
أصحاب مالك: إذا أسلم وعنده أختان فارقهما جميعا ثم استأنف نكاح أيتهما
شاء، ولم يقل بذلك أحد من أصحاب مالك غيره. وسبب اختلافهم معارضة القياس
للأثر، وذلك أنه ورد في ذلك أثران: أحدهما مرسل مالك "أن غيلان بن
سلامة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة أسلمن معه، فأمره رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن يختار منهن أربعا" والحديث الثاني حديث قيس بن الحارث أنه
أسلم على الأختين، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إختر أيتهما
شئت". وأما القياس المخالف لهذا الأثر فتشبيه العقد على الأواخر قبل
الإسلام بالعقد عليهن بعد الإسلام: أعني أنه كما أن العقد عليهن فاسد في
الإسلام كذلك قبل الإسلام وفيه ضعف. وأما إذا أسلم أحدهما قبل الآخر، وهي
المسألة الثانية ثم أسلم الآخر، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأبو
حنيفة والشافعي: إنه إذا أسلمت المرأة قبله فإنه إن أسلم في عدتها كان
أحق بها وإن أسلم هو وهي كتابية فنكاحها ثابت لما ورد في ذلك من حديث صفوان
بن أمية، وذلك "أن زوجه عاتكة ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبله، ثم
أسلم هو فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحه" قالوا: وكان
بين إسلام صفوان وبين إسلام امرأته نحو من شهر. قال ابن شهاب: ولم
يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجها كافر مقيم
بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل
أن تنقضي عدتها. وأما إذا أسلم الزوج قبل إسلام المرأة فإنهم اختلفوا في
ذلك، فقال مالك: إذا أسلم الزوج قبل المرأة وقعت الفرقة إذا عرض عليها
الإسلام فأبت؛ وقال الشافعي: سواء أسلم الرجل قبل المرأة أو المرأة قبل
الرجل إذا وقع الإسلام المتأخر في العدة ثبت النكاح. وسبب اختلافهم
معارضة العموم للأثر والقياس، وذلك أن عموم قوله تعالى -وموجبات الخيار أربعة: العيوب، والإعسار
بالصداق أو بالنفقة والكسوة، والثالث: الفقد: أعني فقد الزوج.
والرابع: العتق للأمة المزوجة فينعقد في هذا الباب أربعة فصول: -اختلف العلماء في موجب الخيار بالعيوب لكل
واحد من الزوجين، وذلك في موضعين: أحدهما هل يرد بالعيوب أو لا يرد؟.
والمرضع الثاني إذا قلنا إنه يرد فمن أيها يرد، وما حكم ذلك؟. فأما
الموضع الأول فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا: العيوب توجب الخيار في
الرد أو الإمساك: وقال أهل الظاهر: لا توجب خيار الرد والإمساك، وهو
قول عمر بن عبد العزيز: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما هل قول الصاحب
حجة، والآخر قياس النكاح في ذلك على البيع؟ فأما قول الصاحب الوارد في
ذلك فهو ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون
أو جذام أو برص وفي بعض الروايات: أو قرن فلها صداقها كاملا وذلك غرم
لزوجها على وليها. وأما القياس على البيع فإن القائلين بموجب الخيار
للعيب في النكاح قالوا: النكاح في ذلك شبيه بالبيع؛ وقال المخالفون
لهم: ليس شبيها بالبيع لاجتماع المسلمين على أنه لا يرد النكاح بكل عيب
ويرد به البيع. وأما الموضع الثاني في الرد بالعيوب فإنهم اختلفوا في أي
العيوب يرد بها وفي أيها لا يرد وفي حكم الرد، فاتفق مالك والشافعي على أن
الرد يكون من أربعة عيوب: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج الذي يمنع
الوطء، إما قرن أو رتق في المرأة أو عنة في الرجل أو خصاء. واختلف أصحاب
مالك في أربع: في السواد والقرع وبخر الفرج وبخر الفم، فقيل ترد بها،
وقيل لا ترد؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا ترد المرأة في النكاح
إلا بعيبين فقط: القرن والرتق. فأما أحكام الرد فإن القائلين بالرد
اتفقوا على أن الزوج إذا علم بالعيب قبل الدخول طلق ولا شيء عليه.
واختلفوا إن علم بعد الدخول والمسيس؛ فقال مالك: إن كان وليها الذي زوجها
ممن يظن به لقربه منها أنه عالم بالعيب مثل الأب والأخ فهو غار يرجع عليه
الزوج بالصداق وليس يرجع على المرأة بشيء وإن كان بعيدا رجع الزوج على
المرأة بالصداق كله إلا ربع دينار فقط. وقال الشافعي: إن دخل لزمه
الصداق كله بالمسيس ولا رجوع له عليها ولا على ولي. وسبب اختلافهم تردد
تشبيه النكاح بالبيع أو بالنكاح الفاسد الذي وقع فيه المسيس، أعني اتفاقهم
على وجوب المهر في الأنكحة الفاسدة بنفس المسيس، لقوله عليه الصلاة والسلام
"أيما امرأة نكحت بغير إذن سيدها فنكاحها باطل ولها المهر بما استحل
منها" فكان موضع الخلاف تردد هذا الفسخ بين حكم الرد بالعيب في البيوع،
وبين حكم الأنكحة المفسوخة: أعني بعد الدخول؛ واتفق الذين قالوا بفسخ
نكاح العنين أنه لا يفسخ حتى يؤجل سنة يخلى بينه وبينها بغير عائق.
واختلف أصحاب مالك في العلة التي من أجلها قصر الرد على هذه العيوب
الأربعة. فقيل لأن ذلك شرع غير معلل؛ وقيل لأن ذلك مما يخفى، ومحمل سائر
العيوب على أنها مما لا تخفى؛ وقيل لأنها يخاف سرايتها إلى الأبناء، وعلى
هذا التعليل يرد بالسواد والقرع، وعلى الأول يرد بكل عيب إذا علم أنه مما
خفي على الزوج. -واختلفوا في الإعسار بالصداق، فكان الشافعي
يقول: تخير إذا لم يدخل بها، وبه قال مالك. واختلف أصحابه في قدر
التلوم له؛ فقيل ليس له في ذلك حد؛ وقيل سنة؛ وقيل سنتين؛ وقال أبو
حنيفة: هي غريم من الغرماء لا يفرق بينهما ويؤخذ بالنفقة، ولها أن تمنع
نفسها حتى يعطيها المهر. وسبب اختلافهم تغليب شبه النكاح في ذلك بالبيع
أو تغليب الضرر اللاحق للمرأة في ذلك من عدم الوطء تشبيها بالإيلاء
والعنة. وأما الإعسار بالنفقة فقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو
عبيد وجماعة: يفرق بينهما، وهو مروي عن أبي هريرة وسعيد بن المسيب؛ وقال
أبو حنيفة والثوري: لا يفرق بينهما، وبه قال أهل الظاهر. وسبب اختلافهم
تشبيه الضرر الواقع من ذلك بالضرر الواقع من العنة، لأن الجمهور على القول
بالتطليق على العنين حتى لقد قال ابن المنذر إنه إجماع، وربما قالوا النفقة
في مقابلة الاستمتاع، بدليل أن الناشز لا نفقة لها عند الجمهور، فإذا لم
يجد النفقة سقط الاستمتاع فوجب الخيار. وأما من لا يرى القياس فإنهم
قالوا قد ثبتت العصمة بالإجماع فلا تنحل إلا بإجماع أو بدليل من كتاب الله
أو سنة نبيه فسبب اختلافهم معارضة استصحاب الحال للقياس. -واختلفوا في المفقود الذي تجهل حياته أو موته
في أرض الإسلام، فقال مالك يضرب لامرأته أجل أربع سنين من يوم ترفع أمرها
إلى الحاكم، فإذا انتهى الكشف عن حياته أو موته فجهل ذلك ضرب لها الحاكم
الأجل، فإذا انتهى اعتدت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرا وحلت، قال: وأما
ماله فلا يورث حتى يأتي عليه من الزمان ما يعلم أن المفقود لا يعيش إلى
مثله غالبا، فقيل سبعون، وقيل ثمانون، وقيل تسعون، وقيل مائة فيمن غاب وهو
دون هذه الأسنان، وروي هذا القول عن عمر بن الخطاب، وهو مروي أيضا عن عثمان
وبه قال الليث؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري: لا تحل امرأة المفقود
حتى يصح موته، وقولهم مروي عن علي وابن مسعود. والسبب في اختلافهم معارضة
استصحاب الحال للقياس، وذلك أن استصحاب الحال يوجب أن لا تنحل عصمة إلا
بموت أو طلاق حتى يدل الدليل على غير ذلك. وأما القياس فهو تشبيه الضرر
اللاحق لها من غيبته بالإيلاء والعنة، فيكون لها الخيار كما يكون في
هذين. والمفقودون عند المحصلين من أصحاب مالك أربعة مفقود في أرض الإسلام
وقع الخلاف فيه، ومفقود في أرض الحرب، ومفقود في حروب الإسلام، أعني فيما
بينهم ومفقود في حروب الكفار، والخلاف عن مالك وعن أصحابه في الثلاثة
الأصناف من المفقودين كثير؛ فأما المفقود في بلاد الحرب فحكمه عندهم حكم
الأسير لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله حتى يصح موته، ما خلا أشهب، فإنه حكم
له بحكم المفقود في أرض المسلمين. وأما المفقود في حروب المسلمين فقال:
إن حكمه حكم المقتول دون تلوم، وقيل يتلوم له بحسب بعد الموضع الذي كانت
فيه المعركة وقربه وأقصى الأجل في ذلك سنة. وأما المفقود في حروب الكفار
ففيه في المذهب أربعة أقوال: قيل حكمه حكم الأسير؛ وقيل حكمه حكم المقتول
بعد تلوم سنة، إلا أن يكون بموضع لا يخفى أمره فيحكم له بحكم المفقود في
حروب المسلمين وفتنهم؛ والقول الثالث أن حكمه حكم المفقود في بلاد
المسلمين؛ والرابع حكمه حكم المقتول في زوجته، وحكم المفقود في أرض
المسلمين في ماله أعني يعمر وحينئذ يورث، وهذه الأقاويل كلها مبناها على
تجويز النظر بحسب الأصلح في الشرع، وهو الذي يعرف بالقياس المرسل، وبين
العلماء فيه اختلاف: أعني بين القائلين بالقياس. -واتفقوا على أن الأمة إذا عتقت تحت عبد أن لها
الخيار؛ واختلفوا إذا عتقت تحت الحر هل لها خيار أم لا؟ فقال مالك
والشافعي وأهل المدينة والأوزاعي وأحمد والليث لا خيار لها؛ وقال أبو حنيفة
والثوري لها الخيار حرا كان أو عبدا. وسبب اختلافهم تعارض النقل في حديث
بريرة، واحتمال العلة الموجبة للخيار أن يكون الجبر الذي كان في إنكاحها
بإطلاق إذا كانت أمة، أو الجبر على تزويجها من عبد؛ فمن قال: العلة الجبر
على النكاح بإطلاق قال: تخير تحت الحر والعبد؛ ومن قال الجبر على تزويج
العبد فقط قال: تخير تحت العبد فقط. وأما اختلاف النقل فإنه روي عن ابن
عباس أن زوج بريرة كان عبدا أسود. وروي عن عائشة أن زوجها كان حرا، وكلا
النقلين ثابت عند أصحاب الحديث؛ واختلفوا أيضا في الوقت الذي يكون لها
الخيار فيه، فقال مالك والشافعي: يكون لها الخيار ما لم يمسها؛ وقال أبو
حنيفة: خيارها على المجلس؛ وقال الأوزاعي: إنما يسقط خيارها بالمسيس
إذا علمت أن المسيس يسقط خيارها. -واتفقوا على أن من حقوق الزوجة على الزوج
النفقة والكسوة لقوله تعالى وسبب الخلاف معارضة العموم لكون العبد محجورا
عليه في ماله. وأما الغائب فالجمهور على وجوب النفقة عليه؛ وقال أبو
حنيفة؛ لا تجب إلا بإيجاب السلطان. وإنما اختلفوا فيمن القول قوله إذا
اختلفوا في الإنفاق، وسيأتي ذلك في كتاب الأحكام إن شاء الله. وكذلك
اتفقوا على أن من حقوق الزوجات العدل بينهن في القسم لما ثبت من قسمه صلى
الله عليه وسلم بين أزواجه ولقوله عليه الصلاة والسلام "إذا كان للرجل
امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" ولما ثبت
"أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد السفر أقرع بينهن" واختلفوا في
مقام الزوج عند البكر والثيب وهل يحتسب به أو لا يحتسب إذا كانت له زوجة
أخرى؟ فقال مالك والشافعي وأصحابهما: يقيم عند البكر سبعا وعند الثيب
ثلاثا، ولا يحتسب إذا كان له امرأة أخرى بأيام التي تزوج؛ وقال أبو
حنيفة: الإقامة عندهن سواء بكرا كانت أو ثيبا، ويحتسب بالإقامة عندها إن
كانت له زوجة أخرى. وسبب اختلافهم معارضة حديث أنس لحديث أم سلمة،
وحديث أنس هو "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تزوج البكر أقام
عندها سبعا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا" وحديث أم سلمة هو "أن
النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها فأصبحت عنده فقال: ليس بك على أهلك هوان
إن شئت سبعت عندك وسبعت عندهن وإن شئت ثلثت عندك ودرت فقالت: ثلث"
وحديث أم سلمة هو مدني متفق عليه خرجه مالك والبخاري ومسلم، وحديث أنس حديث
بصري خرجه أبو داود، فصار أهل المدينة إلى ما خرجه أهل البصرة، وصار أهل
الكوفة إلى ما خرجه أهل المدينة. واختلف أصحاب مالك في هل مقامه عند البكر سبعا
وعند الثيب ثلاثا واجب أو مستحب؟ فقال ابن القاسم: هو واجب؛ وقال ابن
عبد الحكم: يستحب. وسبب الخلاف حمل فعله عليه الصلاة والسلام على الندب
أو على الوجوب. وأما حقوق الزوج على الزوجة بالرضاع وخدمة البيت على
اختلاف بينهم في ذلك، وذلك أن قوما أوجبوا عليها الرضاع على الإطلاق؛ وقوم
لم يوجبوا ذلك عليها بإطلاق وقوم أوجبوا ذلك على الدنيئة ولم يوجبوا ذلك
على الشريفة، إلا أن يكون الطفل لا يقبل إلا ثديها، وهو مشهور قول مالك.
وسبب اختلافهم هل آية الرضاع متضمنة حكم الرضاع: أعني إيجابه، أو متضمنة
أمره فقط؟ فمن قال أمره قال: لا يجب عليها الرضاع إذ لا دليل هنا على
الوجوب؛ ومن قال تتضمن الأمر بالرضاع وإيجابه وأنها من الأخبار التي
مفهومها مفهوم الأمر قال: يجب عليها الإرضاع. وأما من فرق بين الدنيئة
والشريفة فاعتبر في ذلك العرف والعادة. وأما المطلقة فلا رضاع عليها إلا
أن لا يقبل ثدي غيرها فعليها الإرضاع وعلى الزوج أجر الرضاع، هذا إجماع
لقوله سبحانه وتعالى -والأنكحة التي ورد النهي عنها فيها مصرحا
أربعة: نكاح الشغار، ونكاح المتعة، والخطبة على خطبة أخيه، ونكاح
المحلل. فأما نكاح الشغار فإنهم اتفقوا على أن صفته هو أن ينكح الرجل
وليته رجلا آخر على أن ينكحه الآخر وليته ولا صداق بينهما إلا بضع هذه ببضع
الأخرى، واتفقوا على أنه نكاح غير جائز لثبوت النهي عنه؛ واختلفوا إذا وقع
هل يصحح بمهر المثل أم لا؟ فقال مالك: لا يصحح ويفسخ أبدا قبل الدخول
وبعده، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: إن سمى لإحدهما صداقا أو لهما معا
فالنكاح ثابت بمهر المثل، والمهر الذي سمياه فاسد؛ وقال أبو حنيفة: نكاح
الشغار يصح بفرض صداق المثل، وبه قال الليث وأحمد وإسحق وأبو ثور
والطبري. وسبب اختلافهم هل النهي المعلق بذلك معلل بعدم العوض أو غير
معلل، فإن قلنا غير معلل لزم الفسخ على الإطلاق؛ وإن قلنا العلة عدم الصداق
صح بفرض صداق المثل مثل العقد على خمر أو على خنزير؛ وقد أجمعوا على أن
النكاح المنعقد على الخمر والخنزير لا يفسخ إذا فات بالدخول، ويكون فيه مهر
المثل؛ وكأن مالكا رضي الله عنه رأى أن الصداق وإن لم يكن من شرط صحة العقد
ففساد العقد ههنا من قبل فساد الصداق مخصوص لتعلق النهي به، أو رأى أن
النهي إنما يتعلق بنفس تعيين العقد، والنهي يدل على فساد المنهي. وأما نكاح المتعة. فإنه وإن تواترت الأخبار
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريمه إلا أنها اختلفت في الوقت الذي
وقع فيه التحريم، ففي بعض الروايات أنه حرمها يوم خيبر، وفي بعضها يوم
الفتح، وفي بعضها في غزوة تبوك، وفي بعضها في حجة الوداع، وفي بعضها في
عمرة القضاء، وفي بعضها في عام أوطاس، وأكثر الصحابة وجميع فقهاء الأمصار
على تحريمها، واشتهر عن ابن عباس تحليلها، وتبع ابن عباس على القول بها
أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك لقوله
تعالى وأما اختلافهم في النكاح الذي تقع فيه الخطبة
على خطبه غيره، فقد تقدم أن فيه ثلاثة أقوال: قول بالفسخ، وقول بعدم
الفسخ، وفرق بين أن ترد الخطبة على خطبة الغير بعد الركون والقرب من التمام
أو لا ترد وهو مذهب مالك. وأما نكاح المحلل: أعني الذي يقصد بنكاحه
تحليل المطلقة ثلاثا، فإن مالكا قال: هو نكاح مفسوخ؛ وقال أبو حنيفة
والشافعي: هو نكاح صحيح. وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله عليه
الصلاة والسلام "لعن الله المحلل" الحديث فمن فهم من اللعن التأثيم فقط
قال: النكاح صحيح؛ ومن فهم من التأثيم فساد العقل تشبيها بالنهي الذي يدل
على فساد المنهي عنه وقال: النكاح فاسد، فهذه هي الأنكحة الفاسدة
بالنهي. وأما الأنكحة الفاسدة بمفهوم الشرع فإنها تفسد إما بإسقاط شرط من
شروط صحة النكاح، أو لتغيير حكم واجب بالشرع من أحكامه مما هو عن الله عز
وجل، وإما بزيادة تعود إلى إبطال شرط من شروط الصحة. وأما الزيادات التي
تعرض من هذا المعنى فإنها لا تفسد النكاح باتفاق، وإنما اختلف العلماء في
لزوم الشروط التي بهذه الصفة أو لا لزومها مثل أن يشترط عليه أن لا يتزوج
عليها أو لا يتسرى أو لا ينقلها من بلدها، فقال مالك: إن اشترط ذلك لم
يلزمه إلا أن يكون في ذلك يمين بعتق أو طلاق، فإن ذلك يلزمه إلا أن يطلق أو
يعتق من أقسم عليه، فلا يلزم الشرط الأول أيضا، وكذلك قال الشافعي وأبو
حنيفة. وقال الأوزاعي وابن شبرمة: لها شرطها وعليه الوفاء؛ وقال ابن
شهاب: كان من أدركت من العلماء يقضون بها، وقول الجماعة مروي عن علي،
وقول الأوزاعي مروي عن عمر. وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص. فأما
العموم فحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب
الناس فقال في خطبته "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة
شرط" وأما الخصوص فحديث عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال "أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج" والحديثان صحيحان
خرجهما البخاري ومسلم، إلا أن المشهور عند الأصوليين القضاء بالخصوص على
العموم وهو لزوم الشروط وهو ظاهر ما وقع في العتبية وإن كان المشهور خلاف
ذلك. وأما الشروط المقيدة بوضع من الصداق فإنه قد اختلف فيها لمذهب
اختلافا كثيرا: أعني في لزومها أو عدم لزومها، وليس كتابنا هذا موضوعا
على الفروع. (وأما حكم الأنكحة الفاسدة إذا وقعت) فمنها
ما اتفقوا على فسخه قبل الدخول وبعده، وهو ما كان منها فاسدا بإسقاط شرط
متفق على وجوب صحة النكاح بوجوده، مثل أن ينكح محرمة العين؛ ومنها ما
اختلفوا فيه بحسب اختلافهم في ضعف علة الفساد وقوتهما ولماذا يرجع من
الإخلال بشروط الصحة ومالك في هذا الجنس {وذلك في الأكثر} يفسخه قبل
الدخول ويثبته بعده والأصل فيه عنده أن لا فسخ، ولكنه يحتاط بمنزلة ما يرى
في كثير من البيع الفاسد أنه يفوت بحوالة الأسواق وغير ذلك، ويشبه أن تكون
هذه عنده هي الأنكحة المكروهة، وإلا فلا وجه للفرق بين الدخول وعدم الدخول
والاضطراب في المذهب في هذا الباب كثير، وكأن هذا راجع عنده إلى قوة دليل
الفسخ وضعفه، فمتى كان الدليل عنده قويا فسخ قبله وبعده، ومتى كان ضعيفا
فسخ قبل ولم يفسخ بعد، وسواء كان الدليل القوي متفقا عليه أو مختلفا فيه.
ومن قبل هذا أيضا اختلف المذهب في وقوع الميراث في الأنكحة الفاسدة إذا وقع
الموت قبل الفسخ، وكذلك وقوع الطلاق فيه، فمرة اعتبر فيه الاختلاف
والاتفاق، ومرة اعتبر فيه الفسخ بعد الدخول أو عدمه، وقد نرى أن نقطع ههنا
القول في هذا الكتاب، فإن ما ذكرنا منه كفاية بحسب غرضنا المقصود. |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||