|
|||||||||||||||||||||||||
|
-والقول فيه يشتمل على خمسة فصول بعد القول
بوجوبه: الفصل الأول: في أنواع الدعاوي الموجبة له وشروطها. الفصل
الثاني: في صفات المتلاعنين. الثالث: في صفة اللعان. الرابع: في
حكم نكول أحدهما أو رجوعه. الخامس: في الأحكام اللازمة لتمام اللعان.
-فأما الأصل في وجوب اللعان، أما من الكتاب
فقوله تعالى -وأما صور الدعاوي التي يجب بها اللعان فهي
أولا صورتان: إحداهما دعوى الزنى، والثانية نفي الحمل. ودعوى الزنى لا
يخلو أن تكون مشاهدة: أعني أن يدعي أنه شاهدها تزني كما يشهد الشاهد على
الزنى، وأن تكون دعوى مطلقة. وإذا نفي الحمل فلا يخلو أن ينفيه أيضا نفيا
مطلقا، أو يزعم أنه لم يقربها بعد استبرائها، فهذه أربعة أحوال بسائط،
وسائر الدعاوي تتركب عن هذه، مثل أن يرميها بالزنى وينفي الحمل، أو يثبت
الحمل ويرميها بالزنى. فأما وجوب اللعان بالقذف بالزنا إذا ادعى الرؤية
فلا خلاف فيه، قالت المالكية: إذا زعم أنه لم يطأها بعد؛ وأما وجوب
اللعان بمجرد القذف، فالجمهور على جوازه الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد
وداود وغيرهم. وأما المشهور عن مالك، فإنه لا يجوز اللعان عنده بمجرد
القذف، وقد قال ابن القاسم أيضا إنه يجوز، وهي أيضا رواية عن مالك. وحجة
الجمهور عموم قوله تعالى وخالفه في هذا الشافعي وأحمد وداود، وقالوا:
لا معنى لهذا لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم؛ وحكى عبد الوهاب عن أصحاب
الشافعي أنه لا يجوز نفي الحمل مطلقا من غير قذف. واختلفوا من هذا الباب
في فرع، وهو وقت نفي الحمل فقال الجمهور: ينفيه وهي حامل، وشرط مالك أنه
متى لم ينفه وهو حمل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان؛ وقال
الشافعي: إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن
له أن ينفيه بعد الولادة؛ وقال أبو حنيفة: لا ينفي الولد حتى تضع وحجة
مالك ومن قال بقوله الآثار المتواترة من حديث ابن عباس وابن مسعود وأنس
وسهل بن سعد "أن النبي عليه الصلاة والسلام حين حكم باللعان بين
المتلاعنين قال: إن جاءت به على صفة كذا فما أراه إلا قد صدق عليها"
قالوا: وهذا يدل على أنها كانت حاملا في وقت اللعان. وحجة أبي حنيفة أن
الحمل قد ينفش ويضمحل، فلا وجه للعان إلا على يقين. ومن حجة الجمهور أن
الشرع قد علق بظهور الحمل أحكاما كثيرة: كالنفقة والعدة ومنع الوطء، فوجب
أن يكون قياس اللعان كذلك، وعند أبي حنيفة أنه يلاعن وإن لم ينف الحمل إلا
وقت الولادة، وكذلك ما قرب من الولادة ولم يوقت في ذلك وقتا، ووقتا صاحباه
أبو يوسف ومحمد فقالا: له أن ينفيه ما بين أربعين ليلة من وقت الولادة؛
والذين أوجبوا اللعان في وقت الحمل اتفقوا على أنه له نفيه في وقت العصمة،
واختلفوا في نفيه بعد الطلاق، فذهب مالك إلى أنه له ذلك في جميع المدة التي
يلحق الولد فيها بالفراش، وذلك هو أقصى زمان الحمل عنده وذلك نحو من أربع
سنين عنده أو خمس سنين، وكذلك عنده حكم نفي الولد بعد الطلاق إذا لم يزل
منكرا له، وبقريب من هذا المعنى قال الشافعي وقال قوم: ليس له أن ينفي
الحمل إلا في العدة فقط، وإن نفاه في غير العدة حده وألحق به الولد، فالحكم
يجب به عند الجمهور إلى انقضاء أطول مدة الحمل على اختلافهم في ذلك، فإن
الظاهرية ترى أن أقصر مدة الحمل التي يجب بها الحكم هو المعتاد من ذلك، وهي
التسعة أشهر وما قاربها، ولا اختلاف بينهم أنه يجب الحكم به في مدة
العصمة، فما زاد على أقصر مدة الحمل وهي الستة أشهر: أعني أن يولد
المولود لستة أشهر من وقت الدخول أو بإمكانه، لامن وقت العقد، وشذ أبو
حنيفة فقال من وقت العقد وإن علم أن الدخول غير ممكن حتى أنه إن تزوج عنده
رجل بالمغرب الأقصى امرأة بالمشرق الأقصى فجاءت بولد لرأس ستة أشهر من وقت
العقد أنه يلحق به إلا أن ينفيه بلعان، وهو في هذه المسألة ظاهري محض، لأنه
إنما اعتمد في ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام "الولد للفراش" وهذه
المرأة قد صارت فراشا له بالعقد، فكأنه رأى أن هذه عبادة غير معللة، وهذا
شيء ضعيف. واختلف قول مالك من هذا الباب في فرع، وهو أنه إذا ادعى أنها
زنت واعترف بالحمل فعنه في ذلك ثلاث روايات: إحداها أنه يحد ويلحق به
الولد ولا يلاعن. والثانية أنه يلاعن وينفي الولد. والثالثة أنه يلحق
به الولد ويلاعن ليدرأ الحد عن نفسه. وسبب الخلاف هل يلتفت إلى إثباته مع
موجب نفيه وهو دعواه الزنى؟ واختلفوا أيضا من هذا الباب في فرع، وهو إذا
أقام الشهود على الزنى هل له يلاعن أم لا؟ فقال أبو حنيفة وداود: لا
يلاعن، لأن اللعان إنما جعل عوض الشهود لقوله تعالى -وأما صفة المتلاعنين، فإن قوما قالوا: يجوز
اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد محدودين
كانا أو عدلين أو أحدهما، مسلمين كانا أو كان الزوج مسلما والزوجة كتابية،
ولا لعان بين كافرين إلا أن يترافعا إلينا، وممن قال بهذا القول مالك
والشافعي؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا لعان إلا بين مسلمين حرين عدلين.
وبالجملة فاللعان عندهم إنما يجوز لمن كان من أهل الشهادة. وحجة أصحاب
القول الأول عموم قوله تعالى -فأما صفة اللعان فمتقاربة عند جمهور العلماء،
وليس بينهم في ذلك كبير خلاف، وذلك على ظاهر ما تقتضيه ألفاظ الآية، فيحلف
الزوج أربع شهادات بالله لقد رأيتها تزني وأن ذلك الحمل ليس مني، ويقول في
الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد هي أربع شهادات
بنقيض ما شهد هو به ثم تخمس بالغضب، هذا كله متفق عليه. واختلف الناس هل
يجوز أن يبدل مكان اللعنة الغضب، ومكان الغضب اللعنة، ومكان أشهد أقسم،
ومكان قوله بالله غيره من أسمائه؟ والجمهور على أنه لا يجوز من ذلك إلا
ما نص عليه من هذه الألفاظ أصله عدد الشهادات، وأجمعوا على أن من شرط صحته
أن يكون بحكم حاكم. -فأما إذا نكل الزوج فقال الجمهور: إنه يحد،
وقال أبو حنيفة: إنه لا يحد ويحبس. وحجة الجمهور عموم قوله تعالى -فأما موجبات اللعان، فإن العلماء اختلفوا من
ذلك في مسائل: منها هل تجب الفرقة أم لا؟ وإن وجبت فمتى تجب؟ وهل تجب
بنفس اللعان أم بحكم حاكم؟ وإذا وقعت فهل هي طلاق أو فسخ؟ فذهب الجمهور
إلى أن الفرقة تقع باللعان لما اشتهر من ذلك في أحاديث اللعان "من أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بينهما" وقال ابن شهاب فيما رواه مالك
عنه: فكانت تلك سنة المتلاعنين، ولقوله صلى الله عليه وسلم "لا سبيل لك
عليها" وقال عثمان البتي وطائفة من أهل البصرة: لا يعقب اللعان فرقة،
واحتجوا بأن ذلك حكم لم تتضمنه آية اللعان، ولا هو صريح في الأحاديث، لأن
في الحديث المشهور أنه طلقها بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر ذلك
عليه. وأيضا فإن اللعان إنما شرع لدرء حد القذف، فلم يوجب تحريما تشبيها
بالبينة. وحجة الجمهور أنه قد وقع بينهما من التقاطع والتباغض والتهاتر
وإبطال حدود الله ما أوجب أن لا يجتمعا بعدها أبدا، وذلك أن الزوجية مبناها
على المودة والرحمة وهؤلاء قد عدموا ذلك كل العدم، ولا أقل من أن تكون
عقوبتهما الفرقة. وبالجملة فالقبح الذي بينهما غاية القبح. وأما متى
تقع الفرقة فقال مالك والليث وجماعة: إنها تقع إذا فرغا جميعا من
اللعان. وقال الشافعي: إذا أكمل الزوج لعانه وقعت الفرقة. وقال أبو
حنيفة: لا تقع إلا بحكم حاكم، وبه قال الثوري وأحمد. وحجة مالك على
الشافعي حديث ابن عمر قال "فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
المتلاعنين وقال: حسابكما على الله، أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها" وما
روي أنه لم يفرق بينهما إلا بعد تمام اللعان. وحجة الشافعي أن لعانها
إنما تدرء به الحد عن نفسها فقط، ولعان الرجل هو المؤثر في نفي النسب، فوجب
إن كان للعان تأثير في الفرقة أن يكون لعان الرجل تشبيها بالطلاق.
وحجتهما جميعا على أبي حنيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهما بوقوع
الفرقة عند وقوع اللعان منهما، فدل ذلك على أن اللعان هو سبب الفرقة.
وأما أبو حنيفة فيرى أن الفراق إنما نفذ بينهما بحكمه وأمره صلى الله عليه
وسلم بذلك حين قال "لا سبيل لك عليها" فرأى أن حكمه شرط في وقوع الفرقة
كما أن حكمه شرط في صحة اللعان. فسبب الخلاف بين من رأى أنه تقع به
الفرقة، وبين من لم ير ذلك أن تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ليس
هو بينا في الحديث المشهور، لأنه بادر بنفسه فطلق قبل أن يخبره بوجوب
الفرقة، والأصل أن لا فرقة إلا بطلاق، وأنه ليس في الشرع تحريم يتأبد:
أعني متفقا عليه، فمن غلب هذا الأصل على المفهوم لاحتماله نفي وجوب الفرقة
(هكذا الأصول، ولعل فيه سقطا هكذا: ومن قال بالمفهوم قال بإيجابها،
تأمل ا هـ مصححه). قال بإيجابها. وأما سبب اختلاف من اشترط حكم
الحاكم أو لم يشترطه فتردد هذا الحكم بين أن يغلب عليه شبه الأحكام التي
يشترط في صحتها حكم الحاكم أو التي لا يشترط ذلك فيها. وأما المسألة
الرابعة، وهي إذا قلنا إن الفرقة تقع فهل ذلك فسخ أو طلاق، فإن القائلين
بالفرقة اختلفوا في ذلك، فقال مالك والشافعي: هو فسخ، وقال أبو حنيفة:
هو طلاق بائن. وحجة مالك تأبيد التحريم به فأشبه ذات المحرم. وأما أبو حنيفة فشبهها بالطلاق قياسا على فرقة
العنين إذ كانت عنده بحكم حاكم. |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||