|
|||||||||||||||||||||||||
|
-الكلام في البيوع ينحصر في خمس جمل: في
معرفة أنواعها. وفي معرفة شروط الصحة في واحد واحد منها. وفي معرفة
شروط الفساد. وفي معرفة أحكام البيوع الصحيحة. وفي معرفة أحكام البيوع
الفاسدة. فنحن نذكر أنواع البيوع المطلقة، ثم نذكر شروط الفساد والصحة في
واحد واحد منها، وأحكام بيوع الصحة، وأحكام البيوع الفاسدة. ولما كانت
أسباب الفساد والصحة في البيوع منها عامة لجميع أنواع البيوع أو لأكثرها
ومنها خاصة، وكذلك الأمر في أحكام الصحة والفساد اقتضى النظر الصناعي أن
نذكر المشترك من هذه الأصناف الأربعة: أعني العام من أسباب الفساد وأسباب
الصحة وأحكام الصحة وأحكام الفساد لجميع البيوع، ثم نذكر الخاص من هذه
الأربعة بواحد واحد من البيوع، فينقسم هذا الكتاب باضطرار إلى ستة أجزاء:
الجزء الأول: تعرف فيه أنواع البيوع المطلقة. والثاني: تعرف فيه
أسباب الفساد العامة في البيوع المطلقة أيضا: أعني في كلها أو أكثرها إذ
كانت أعرف من أسباب الصحة. الثالث: تعرف فيه أسباب الصحة في البيوع
المطلقة أيضا. الرابع: نذكر فيه أحكام البيوع الصحيحة، أعني الأحكام
المشتركة لكل البيوع الصحيحة أو لأكثرها. الخامس: نذكر فيه أحكام
البيوع الفاسدة المشتركة: أعني إذا وقعت. السادس: نذكر فيه نوعا نوعا
من البيوع بما يخصه من الصحة والفساد وأحكامها. -(الجزء الأول) إن كل معاملة وجدت بين
اثنين، فلا يخلو أن تكون عينا بعين، أو عينا بشيء في الذمة، أو ذمة بذمة،
وكل واحد من هذه الثلاث إما نسيئة وإما ناجز، وكل واحد من هذه أيضا إما
ناجز من الطرفين وإما نسيئة من الطرفين، وإما ناجز من الطرف الواحد نسيئة
من الطرف الآخر، فتكون كل أنواع البيوع تسعة. فأما النسيئة من الطرفين
فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة، لأنه الدين بالدين المنهى
عنه. وأسماء هذه البيوع منها ما يكون من قبل صفة العقد وحال العقد؛ ومنها
ما يكون من قبل صفة العين المبيعة، وذلك أنها إذا كانت عينا بعين فلا تخلو
أن تكون ثمنا بمثمون أو ثمنا بثمن، فإن كانت ثمنا بثمن سمى صرفا، وإن كانت
ثمنا بمثمون سمي بيعا مطلقا وكذلك مثمونا بمثمون على الشروط التي تقال بعد،
وإن كان عينا بذمة سمي سلما، وإن كان على الخيار سمي بيع خيار، وإن كان على
المرابحة سمي بيع مرابحة، وإن كان على المزايدة سمي بيع مزايدة. -(الجزء الثاني) وإذا اعتبرت الأسباب التي
من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة وجدت
أربعة: أحدها تحريم عين المبيع. والثاني الربا. والثالث الغرر.
والرابع الشروط التي تئول إلى أحد هذين أو لمجموعهما. وهذه الأربعة هي
بالحقيقة أصول الفساد، وذلك أن النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو
بيع لا لأمر من خارج. وأما التي ورد النهي فيها لأسباب من خارج؛ فمنها
الغش؛ ومنها الضرر؛ ومنها لمكان الوقت المستحق بما هو أهم منه؛ ومنها لأنها
محرمة البيع. ففي هذا الجزء أبواب: -وهذه على ضربين: نجاسات، وغير نجاسات.
فأما بيع النجاسات فالأصل في تحريمها حديث جابر، ثبت في الصحيحين قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ورسوله حرما بيع الخمر
والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه
يطلى بها السفن ويستصبح بها؟ فقال: لعن الله اليهود حرمت الشحوم عليهم
فباعوها وأكلوا أثمانها" وقال في الخمر "إن الذي حرم شربها حرم
بيعها" والنجاسات على ضربين: ضرب اتفق المسلمون على تحريم بيعها وهي
الخمر وأنها نجسة، إلا خلافا شاذا في الخمر: أعني في كونها نجسة، والميتة
بجميع أجزائها التي تقبل الحياة، وكذلك الخنزير بجميع أجزائه التي تقبل
الحياة. واختلف في الانتفاع بشعره، فأجازه ابن القاسم ومنه أصبغ. وأما
القسم الثاني وهي النجاسات التي تدعو الضرورة إلى استعمالها كالرجيع والزبل
الذي يتخذ في البساتين، فاختلف في بيعها في المذهب فقيل بمنعها مطلقا، وقيل
بإجازتها مطلقا، وقيل بالفرق بين العذرة والزبل: أعني إباحة الزبل ومنع
العذرة. واختلفوا فيما يتخذ من أنياب الفيل لاختلافهم هل هو نجس أم لا؟
فمن رأى أنه ناب جعله ميتة، ومن رأى أنه قرن معكوس جعل حكمه حكم القرن،
والخلاف فيه في المذهب. وأما ما حرم بيعه مما ليس بنجس أو مختلف في
نجاسته، فمنها الكلب والسنور. أما الكلب فاختلفوا في بيعه، فقال
الشافعي: لا يجوز بيع الكلب أصلا. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك. وفرق
أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتخاذه وبين ما لا يجوز
اتخاذه، فاتفقوا على أن ما لا يجوز اتخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به
وإمساكه. فأما من أراده للأكل فاختلفوا فيه، فمن أجاز أكله أجاز بيعه،
ومن لم يجزه على رواية ابن حبيب لم يجز بيعه. واختلفوا أيضا في المأذون
في اتخاذه، فقيل هو حرام، وقيل مكروه. فأما الشافعي فعمدته شيئان:
أحدهما ثبوت النهي الوارد عن ثمن الكلب عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني أن الكلب عنده نجس العين كالخنزير، وقد ذكرنا دليله في ذلك في كتاب
الطهارة. وأما من أجاز فعمدته أنه طاهر العين غير محرم الأكل، فجاز بيعه
كالأشياء الطاهرة العين، وقد تقدم أيضا في كتاب الطهارة استدلال من رأى أنه
طاهر العين، وفي كتاب الأطعمة استدلال من رأى أنه حلال. ومن فرق أيضا
فعمدته أنه غير مباح للأكل ولا مباح الانتفاع به، إلا ما استثناه الحديث من
كلب الماشية أو كلب الزرع وما في معناه، ورويت أحاديث غير مشهورة اقترن
فيها بالنهي من ثمن الكلب استثناء أثمان الكلاب المباحة الاتخاذ. وأما
النهي عن ثمن السنور فثابت، ولكن الجمهور على إباحته لأنه طاهر العين مباح
المنافع. فسبب اختلافهم في الكلاب تعارض الأدلة. ومن هذا الباب
اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتفاقهم على تحريم أكله، فقال
مالك: لا يجوز بيع الزيت النجس، وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة: يجوز
إذا بين، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك. وحجة من حرمه حديث جابر المتقدم
"أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح يقول: إن الله ورسوله
حرما الخمر والميتة والخنزير". وعمدة من أجازه: أنه إذا كان في الشيء
أكثر من منفعة واحدة وحرم منه واحدة من تلك المنافع أنه ليس يلزمه أن يحرم
منه سائر المنافع، ولا سيما إذا كانت الحاجة إلى المنفعة غير المحرمة
كالحاجة إلى المحرمة، فإذا كان الأصل هذا يخرج منه الخمر والميتة والخنزير
وبقيت سائر محرمات الأكل على الإباحة: أعني أنه إن كان فيها منافع سوى
الأكل فبيعت لهذا جاز، ورووا عن علي وابن عباس وابن عمر أنهم أجازوا بيع
الزيت النجس ليستصبح به، وفي مذهب مالك جواز الاستصباح به وعمل الصابون مع
تحريم بيعه، وأجاز ذلك الشافعي أيضا مع تحريم ثمنه، وهذا كله ضعيف، وقد قيل
إن في المذهب رواية أخرى تمنع الاستصباح به وهو ألزم للأصل: أعني لتحريم
البيع. واختلف أيضا في المذهب في غسله وطبخه هل هو مؤثر في عين النجاسة
ومزيل لها على قولين: أحدهما جواز ذلك، والآخر منعه، وهما مبنيان على أن
الزيت إذا خالطته النجاسة هل نجاسته نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فمن رآه
نجاسة مجاورة طهره عند الغسل والطبخ، ومن رآه نجاسة عين لم يطهره عند الطبخ
والغسل. ومن مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في جواز بيع لبن
الآدمية إذا حلب، فمالك والشافعي يجوزانه، وأبو حنيفة لا يجوزه. وعمدة من
أجاز بيعه أنه لبن أبيح شربه فأبيح بيعه قياسا على لبن سائر الأنعام، وأبو
حنيفة يرى تحليله إنما هو لمكان ضرورة الطفل إليه، وأنه في الأصل محرم، إذ
لحم ابن آدم محرم، والأصل عندهم أن الألبان تابعة للحوم، فقالوا في قياسهم
هكذا الإنسان حيوان لا يؤكل لحمه، فلم يجز بيع لبنه أصله لبن الخنزير
والأتان فسبب اختلافهم في هذا الباب تعارض أقيسة الشبه، وفروع هذا الباب
كثيرة، وإنما نذكر من المسائل في كل باب مشهور ليجري ذلك مجرى الأصول.
-واتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين:
في البيع، وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك. فأما الربا
فيما تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذي نهي
عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون، فكانوا يقولون: أنظرني
أزدك، وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع "ألا
وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، والثاني
"ضع وتعجل" وهو مختلف فيه وسنذكره فيما بعد: وأما الربا في البيع فإن
العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة وتفاضل، إلا ما روي عن ابن عباس من
إنكاره الربا قي التفاضل لما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
"لا ربا إلا في النسيئة وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين
النوعين لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم. والكلام في الربا ينحصر في
أربعة فصول: الفصل الأول: في معرفة الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل،
ولا يجوز فيها النَّساء، وتبين علة ذلك. الثاني: معرفة الأشياء التي
يجوز فيها التفاضل ولا يجوز فيها النَّساء. الثالث: في معرفة ما يجوز
فيه الأمران جميعا. الرابع: في معرفة ما يعد صنفا واحدا مما لا يعد
صنفا واحدا. -أجمع العلماء على أن التفاضل والنَّساء مما لا
يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة
بن الصامت، إلا ما حكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال "سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم ينهي عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر
والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين،
فمن زاد أو ازداد فقد أربى" فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف
الواحد من هذه الأعيان. وأما منع النَّسيئة فيها فثابت من غير ما حديث،
أشهرها حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر
بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء" فتضمن حديث
عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد، وتضمن أيضا حديث عبادة منع النَّساء في
الصنفين من هذه، وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة، وذلك أن
فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة "وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم
يدا بيد والبر بالشعير كيف شئتم يدا بيد" وهذا كله متفق عليه بين الفقهاء
إلا البر بالشعير. واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها،
فقال قوم منهم أهل الظاهر: إنما يمتنع التفاضل في صنف صنف من هذه الأصناف
الستة فقط، وأن ما عداها لا يمتنع الصنف الواحد منها التفاضل، وقال هؤلاء
أيضا: إن النَّساء ممتنع في هذه الستة أيضا فقط اتفقت الأصناف أو اختلفت،
وهذا أمر متفق عليه: أعني امتناع النَّساء فيها مع اختلاف الأصناف، إلا
ما حكي عن ابن علية أنه قال: إذا اختلف الصنفان جاز التفاضل والنسيئة ما
عدا الذهب والفضة. فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة
من باب الخاص أريد به الخاص. وأما الجمهور من فقهاء الأمصار، فإنهم اتفقوا
على أنه من باب الخاص أريد به العام. واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه
عليه بهذه الأصناف: أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النَّساء فيها. فالذي استقر عليه حذاق المالكية أن سبب منع
التفاضل أما في الأربعة، فالصنف الواحد من المدخر المقتات، وقد قيل الصنف
الواحد المدخر وإن لم يكن مقتاتا ومن شرط الادخار عندهم أن يكون في الأكثر،
وقال بعض أصحابه: الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار. وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب
والفضة فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رءوسا للأثمان وقيما للمتلفات،
وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة، لأنها غير موجودة عندهم في غير
الذهب والفضة. وأما علة منع النَّساء عند المالكية في الأربعة
المنصوص عليها فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف، ولذلك إذا اختلفت
أصنافها جاز عندهم التفاضل دون النسيئة، ولذلك يجوز التفاضل عندهم في
المطعومات التي ليست مدخرة: أعني في الصنف الواحد منها، ولا يجوز
النَّساء. أما جواز التفاضل، فلكونها ليست مدخرة، وقد قيل
إن الادخار شرط في تحريم التفاضل في الصنف الواحد. وأما منع النَّساء فيها فلكونها مطعومة مدخرة،
وقد قلنا إن الطعم بإطلاق علة لمنع النَّساء في المطعومات. وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه
الأربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد. وأما علة النَّساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل
قول مالك. وأما الحنفية فعلة منع التفاضل عندهم في الستة
واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف، وعلة النَّساء فيها اختلاف الصنف
ما عدا النحاس والذهب، فإن الإجماع انعقد على أنه يجوز فيها النَّساء،
ووافق الشافعي مالكا في علة منع التفاضل والنَّساء في الذهب والفضة، أعني
أن كونهما رءوسا للأثمان وقيما للمتلفات هو عندهم علة منع النسيئة إذا
اختلف الصنف، فإذا اتفقا منع التفاضل، والحنفية تعتبر في المكيل قدرا يتأتى
فيه الكيل، وسيأتي أحكام الدنانير والدراهم بما يخصها في كتاب الصرف، وأما
هاهنا فالمقصود هو تبيين مذاهب الفقهاء في علل الربا المطلق في هذه
الأشياء، وذكر عمدة دليل كل فريق منهم، فنقول: إن الذين قصروا صنف الربا
على هذه الأصناف الستة فهم أحد صنفين: إما قوم نفوا القياس في الشرع:
أعني استنباط العلل من الألفاظ وهم الظاهرية، وإما قوم نفوا قياس الشبه
وذلك أن جميع من ألحق المسكوت ههنا بالمنطوق به، فإنما ألحقه بقياس الشبه
لا بقياس العلة، إلا ما حكي عن ابن الماجشون أنه اعتبر في ذلك المالية
وقال: علة منع الربا إنما هي حياطة الأموال، يريد منع العين. وأما القاضي أبو بكر الباقلاني فلما كان قياس
الشبه عنده ضعيفا، وكان قياس المعنى عنده أقوى منه اعتبر في هذا الموضع
قياس المعنى، إذ لم يتأت له قياس علة، فألحق الزبيب فقط بهذه الأصناف
الأربعة، لأنه زعم أنه في معنى التمر، ولكل واحد من هؤلاء: أعني من
القائسين دليل في استنباط الشبه الذي اعتبره في إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق
به من هذه الأربعة. وأما الشافعية فإنهم قالوا في تثبيت علتهم
الشبهية: إن الحكم إذا علق باسم مشتق دل على أن ذلك المعنى الذي اشتق منه
الاسم هو علة الحكم مثل قوله تعالى قالوا: وإذا كان هذا هكذا، وكان قد جاء من
حديث سعيد بن عبد الله أنه قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل" فمن البين أن الطعم هو الذي علق به
الحكم. وأما المالكية فإنها زادت على الطعم إما صفة
واحدة وهو الإدخار على ما في الموطأ، وإما صفتين وهو الإدخار والإقتيات على
ما اختاره البغداديون، وتمسكت في استنباط هذه العلة بأنه لو كان المقصود هو
الطعم وحده لاكتفى بالتنبيه على ذلك بالنص على واحد من تلك الأربعة أصناف
المذكورة، فلما ذكر منها عددا علم أنه قصد بكل واحد منها التنبيه على مافي
معناه، وهي كلها يجمعها الإقتيات والإدخار. أما البر والشعير فنبه بهما على أصناف الحبوب
المدخرة، ونبه بالتمر على جميع أنواع الحلاوات المدخرة كالسكر والعسل
والزبيب، ونبه بالملح على جميع التوابل المدخرة لإصلاح الطعام، وأيضا فإنهم
قالوا: لما كان معقول المعنى في الربا إنما هو أن لا يغبن بعض الناس بعضا
وأن تحفظ أموالهم، فواجب أن يكون ذلك في أصول المعايش وهي الأقوات. وأما الحنفية فعمدتهم في اعتبار المكيل
والموزون أنه صلى الله عليه وسلم لما علق التحليل باتفاق الصنف واتفاق
القدر، وعلق التحريم باتفاق الصنف واختلاف القدر في قوله صلى الله عليه
وسلم لعامله بخيبر من حديث أبي سعيد وغيره "إلا كيلا بكيل يدا بيد"
رأوا أن التقدير أعني الكيل أو الوزن هو المؤثر في الحكم كتأثير الصنف،
وربما احتجوا بأحاديث ليست مشهورة فيها تنبيه قوي على اعتبار الكيل أو
الوزن. منها أنهم رووا في بعض الأحاديث المتضمنه
المسميات المنصوص عليها في حديث عبادة زيادة، وهي كذلك ما يكال ويوزن، وفي
بعضها: وكذلك المكيال والميزان، هذا نص لو صحت الأحاديث، ولكن إذا تؤمل
الأمرمن طريق المعنى ظهر {والله أعلم} أن علتهم أولى العلل، وذلك أنه
يظهر من الشرع أن المقصود بتحريم الربا إنما هو لمكان الغبن الكثير الذي
فيه، وأن العدل في المعاملات إنما هو مقاربة التساوي، ولذلك لما عسر إدراك
التساوي في الأشياء المختلفة الذوات جعل الدينار والدرهم لتقويمها: أعني
تقديرها، ولما كانت الأشياء المختلفة الذوات: أعني غير الموزونة والمكيلة
العدل فيها إنما هو في وجود النسبة، أعني أن تكون نسبة قيمة أحد الشيئين
إلى جنسه نسبة قيمة الشيء لآخر إلى جنسه، مثال ذلك أن العدل إذا باع إنسان
فرسا بثياب هو أن تكون نسبة قيمة ذلك الفرس إلى الأفراس هي نسبة قيمة ذلك
الثوب إلى الثياب، فإن كان ذلك الفرس قيمته خمسون فيجب أن تكون تلك الثياب
قيمتها خمسون، فليكن مثلا الذي يساوي هذا القدر عددها هو عشرة أثواب، فإذا
اختلاف هذه المبيعات بعصها ببعض في العدد واجبة في المعاملة العدالة، أعني
أن يكون عديل فرس عشرة أثواب في المثل. وأما الأشياء المكيلة والموزونة، فلما كانت
ليست تختلف كل الاختلاف، وكانت منافعها متقاربة ولم تكن حاجة ضرورية لمن
كان عنده منها صنف أن يستبدله بذلك الصنف بعينه إلا على جهة السرف كان
العدل في هذا إنما هو بوجود التساوي في الكيل أو الوزن إذ كانت لا تتفاوت
في المنافع، وأيضا فإن منع التفاضل في هذه الأشياء يوجب أن لا يقع فيها
تعامل لكون منافعها غير مختلفة، والتعامل إنما يضطر إليه في المنافع
المختلفة، فإذا منع التفاضل في هذه الأشياء أعني المكيلة والموزونة
علتان: إحداهما وجود العدل فيها، والثاني منع المعاملة إذا كانت المعاملة
بها من باب السرف. وأما الدينار والدرهم فعلة المنع فيها أظهر إذ
كانت هذه ليس المقصود منها الربح، وإنما المقصود بها تقدير الأشياء التي
لها منافع ضرورية. روى مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يعتبر في
علة الربا في هذه الأصناف الكيل والطعم، وهو معنى جيد لكون الطعم ضروريا في
أقوات الناس، فإنه يشبه أن يكون حفظ العين وحفظ السرف فيما هو قوت أهم منه
فيما ليس هو قوتا. وقد روي عن بعض التابعين أنه اعتبر في الربا
الأجناس التي تجب فيها الزكاة، وعن بعضهم الانتفاع مطلقا???????? : أعني المالية، وهو مذهب ابن الماجشون.
-فيجب من هذا أن تكون علة امتناع النسيئة في
الربويات هي الطعم عند مالك والشافعي. وأما في غير الربويات مما ليس
بمطعوم، فإن علة منع النسيئة فيه عند مالك هو الصنف الواحد المتفق المنافع
مع التفاضل، وليس عند الشافعي نسيئة في غير الربويات. وأما أبو حنيفة
فعلة منع النَّساء عنده هو الكيل في الربويات وفي غير الربويات الصنف
الواحد متفاضلا كان أو غير متفاضل، وقد يظهر من ابن القاسم عن مالك أنه
يمنع النسيئة في هذه، لأنه عنده من باب السلف الذي يجر منفعة. -وأما ما يجوز فيه الأمران جميعا: أعني
التفاضل والنَّساء، فما لم يكن ربويا عند الشافعي. وأما عند مالك فما لم
يكن ربويا ولا كان صنفا واحدا متماثلا أو صنفا واحدا بإطلاق على مذهب أبي
حنيفة، ومالك يعتبر في الصنف المؤثر في التفاضل في الربويات، وفي النَّساء
في غير الربويات اتفاق المنافع واختلافها، فإذا اختلفت جعلها صنفين، وإن
كان الاسم واحدا، وأبو حنيفة يعتبر الاسم وكذلك الشافعي، وإن كان الشافعي
ليس الصنف عنده مؤثرا إلا في الربويات فقط: أعني أنه يمنع التفاضل فيه،
وليس هو عنده علة للنَّساء أصلا، فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء
الثلاثة في هذه الفصول الثلاث. فأما الأشياء التي لا تجوز فيها النسيئة
فإنها قسمان: منها ما لا يجوز فيها التفاضل وقد تقدم ذكرها، ومنها ما
يجوز فيها التفاضل. فأما الأشياء التي لا يجوز فيها التفاضل فعلة امتناع
النسيئة فيها هو الطعم عند مالك وعند الشافعي الطعم فقط، وعند أبي حنيفة
مطعومات الكيل والوزن، فإذا اقترن بالطعم اتفاق الصنف حرم التفاضل عند
الشافعي، وإذا اقترن وصف ثالث وهو الادخار حرم التفاضل عند مالك، وإذا
اختلف الصنف جاز التفاضل وحرمت النسيئة. وأما الأشياء التي ليس يحرم
التفاضل فيها عند مالك فإنها صنفان: إما مطعومة، وإما غير مطعومة. فأما
المطعومة فالنَّساء عنده لا يجوز فيها، وعلة المنع الطعم؛ وأما غير
المطعومة فإنه لا يجوز فيها النَّساء عنده فيما اتفقت منافعه مع التفاضل،
فلا يجوز عنده شاة واحدة بشاتين إلى أجل إلا أن تكون إحداهما حلوبة والأخرى
أكولة، هذا هو المشهور عنه؛ وقد قيل إنه يعتبر اتفاق المنافع دون التفاضل
فعلى هذا لا يجوز عنده شاة حلوبة بشاة حلوبة إلى أجل. فأما إذا اختلفت
المنافع فالتفاضل والنسيئة عنده جائزان وإن كان الصنف واحدا؛ وقيل يعتبر
اتفاق الأسماء مع اتفاق المنافع، والأشهر أن لا يعتبر؛ وقد قيل يعتبر.
وأما أبو حنيفة فالمعتبر عنده في منع النَّساء ما عدا التي لا يجوز عنده
فيها التفاضل هو اتفاق الصنف اتفقت المنافع أو اختلفت، فلا يجوز عنده شاة
بشاة ولا بشاتين نسيئة وإن اختلفت منافعها. وأما الشافعي فكل ما لا يجوز
التفاضل عنده في الصنف الواحد يجوز فيه النَّساء، فيجيز شاة بشاتين نسيئة
ونقدا، وكذلك شاة بشاة، ودليل الشافعي حديث عمرو بن العاص "أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى
الصدقة" قالوا فهذا التفاضل في الجنس الواحد مع النَّساء. وأما الحنفية
فاحتجت بحديث الحسن عن سمرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع
الحيوان بالحيوان" قالوا: وهذا يدل على تأثير الجنس على الانفراد في
النسيئة. وأما مالك فعمدته في مراعاة منع النَّساء عند اتفاق الأغراض سد
الذريعة، وذلك أنه لا فائدة في ذلك إلا أن يكون من باب سلف يجر نفعا وهو
يحرم، وقد قيل عنه إنه أصل بنفسه، وقد قيل عن الكوفيين إنه لا يجوز بيع
الحيوان بالحيوان نسيئة اختلف الجنس أو اتفق على ظاهر حديث سمرة، فكأن
الشافعي ذهب مذهب الترجيح لحديث عمرو بن العاص، والحنفية لحديث سمرة مع
التأويل له، لأن ظاهره يقتضي أن لا يجوز الحيوان بالحيوان نسيئة اتفق الجنس
أو اختلف، وكأن مالكا ذهب مذهب الجمع، فحمل حديث سمرة على اتفاق الأغراض،
وحديث عمرو بن العاص على اختلافها، وسماع الحسن من سمرة مختلف فيه، ولكن
صححه الترمذي، ويشهد لمالك ما رواه الترمذي عن جابر قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم "الحيوان اثنان بواحد، لا يصلح النَّساء ولا بأس به
يدا بيد" وقال ابن المنذر: ثبت "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
اشترى عبدا بعبدين أسودين، واشترى جارية بسبعة أرؤس" وعلى هذا الحديث
يكون بيع الحيوان بالحيوان يشبه أن يكون أصلا بنفسه لا من قبل سد ذريعة.
واختلفوا فيما لا يجوز بيعه نَّساء، هل من شرطه التقابض في المجلس قبل
الافتراق سائر الربويات بعد اتفاقهم في اشتراط ذلك في المصارفة لقوله عليه
الصلاة والسلام "لا تبيعوا منها غائبا بناجز" فمن شرط فيها التقابض في
المجلس شبهها بالصرف، ومن لم يشترط ذلك قال: إن القبض قبل التفرق ليس
شرطا في البيوع إلا ما قام الدليل عليه، ولما قام الدليل على الصرف فقط
بقيت سائر الربويات على الأصل. -واختلفوا من هذا الباب فيما يعد صنفا واحدا
وهو المؤثر في التفاضل مما لا يعد صنفا واحدا في مسائل كثيرة، لكن نذكر
منها أشهرها، وكذلك اختلفوا في صفات الصنف الواحد المؤثر في التفاضل، هل من
شرطه أن لا يختلف بالجودة والرداءة، ولا باليبس والرطوبة؟ فأما اختلافهم
فيما يعد صنفا واحدا مما لا يعد صنفا واحدا، فمن ذلك القمح والشعير، صار
قوتا إلى أنهما صنف واحد، وصار آخرون إلى أنهما صنفان، فبالأول قال مالك
والأوزاعي، وحكاه مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب؛ وبالثاني قال الشافعي
وأبو حنيفة، وعمدتهما السماع والقياس. أما السماع فقوله صلى الله عليه
وسلم "لا تبيعوا البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل" فجعلهما
صنفين، وأيضا فإن في بعض طرق حديث عبادة بن الصامت "وبيعوا الذهب بالفضة
كيف شئتم، والبر بالشعير كيف شئتم، والملح بالتمر كيف شئتم يدا بيد" ذكره
عبد الرزاق ووكيع عن الثوري، وصحح هذه الزيادة الترمذي. وأما القياس
فلأنهما اختلفت أسماؤهما ومنافعهما، فوجب أن يكونا يكونا صنفين، أصله الفضة
والذهب وسائر الأشياء المختلفة في الاسم والمنفعة. وأما عمدة مالك فإنه
عمل سلفه بالمدينة. وأما أصحابه فاعتمدوا في ذلك أيضا السماع والقياس.
أما السماع فما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال "الطعام بالطعام
مثلا بمثل" فقالوا: اسم الطعام يتناول البر والشعير وهذا ضعيف، فإن هذا
عام يفسره الأحاديث الصحيحة. وأما من طريق القياس فإنهم عددوا كثيرا من
اتفاقهما في المنافع، والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق،
والسلت عند مالك والشعير صنف واحد، وأما القطية فإنها عنده صنف واحد في
الزكاة، وعنه في البيوع روايتان: إحداهما أنها صنف واحد، والأخرى أنها
أصناف. وسبب الخلاف تعارض اتفاق المنافع فيها واختلافها، فمن غلب الاتفاق
قال: صنف واحد، ومن غلب الاختلاف قال: صنفان أو أصناف، والأرز والدخن
والجاورس عنده صنف واحد. - - - - -وههنا شيء يعرض للمتبايعين إذا قال أحدهما
للآخر بزيادة أو نقصان، وللمتبايعين إذا اشترى أحدهما من صاحبه الشيء الذي
باعه بزيادة أو نقصان وهو أن يتصور بينهما من غير قصد إلى ذلك تبايع ربوي،
مثل أن يبيع إنسان من إنسان سلعة بعشرة دنانير نقدا ثم يشتريها منه بعشرين
إلى أجل، فإذا أضيفت البيعة الثانية إلى الأولى استقر الأمر على أن أحدهما
دفع عشرة دنانير في عشرين إلى أجل، وهذا هو الذي يعرف ببيوع الآجال.
فنذكر من ذلك مسألة في الإقالة، ومسألة من بيوع الآجال إذ كان هذا الكتاب
ليس المقصود به التفريع، وإنما المقصود فيه تحصيل الأصول. -(مسألة) لم يختلفوا أن من باع شيئا ما
كأنك قلت عبدا بمائة دينار مثلا إلى أجل، ثم ندم البائع فسأل المبتاع أن
يصرف إليه مبيعه ويدفع إليه عشرة دنانير مثلا نقدا أو إلى أجل، أن ذلك يجوز
وأنه لا بأس بذلك، وأن الإقالة عندهم إذا دخلتها الزيادة والنقصان هي بيع
مستأنف، ولا حرج في أن يبيع الإنسان الشيء بثمن ثم يشتريه بأكثر منه، لأنه
في هذه المسألة اشترى منه البائع الأول العبد الذي باعه بالمائة التي وجبت
له وبالعشرة مثاقيل التي زادها نقدا أو إلى أجل، وكذلك لا خلاف بينهم لو
كان البيع بمائة دينار إلى أجل والعشرة مثاقيل نقدا أو إلى أجل. وأما إن
ندم المشتري في هذه المسألة وسأل الإقالة على أن يعطي البائع العشرة
المثاقيل نقدا أو إلى أجل أبعد من الأجل الذي وجبت فيه المائة، فهنا
اختلفوا، فقال مالك؛ لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز؛ ووجه ماكره من ذلك
مالك أن ذلك ذريعة إلى قصد بيع الذهب بالذهب إلى أجل وإلى بيع ذهب وعرض
بذهب، لأن المشتري دفع العشرة مثاقيل والعبد في المائة دينار التي عليه،
وأيضا يدخله بيع وسلف كأن المشتري باعه العبد بتسعين وأسلفه عشرة إلى الأجل
الذي يجب عليه قبضها من نفسه لنفسه. وأما الشافعي فهذا عنده كله جائز
لأنه شراء مستأنف، ولا فرق عنده بين هذه المسألة وبين أن تكون لرجل على رجل
مائة دينار مؤجلة، فيشتري منه غلاما بالتسعين دينارا التي عليه ويتعجل له
عشرة دنانير، وذلك جائز بإجماع. قال: وحمل الناس على التهم لا يجوز.
وأما إن كان البيع الأول نقدا فلا خلاف في جواز ذلك، لأنه ليس يدخله بيع
ذهب بذهب نسيئة، إلا أن مالكا كره ذلك لمن هو من أهل العينة: أعني الذي
يداين الناس، لأنه عنده ذريعة لسلف في أكثر منه يتوصلان إليه بما أظهرا من
البيع من غير أن تكون له حقيقة. وأما البيوع التي يعرفوها ببيوع الآجال،
فهي أن يبيع الرجل سلعة بثمن إلى أجل ثم يشتريها بثمن آخر إلى أجل آخر أو
نقدا. ( وهنا تسع مسائل إذا لم تكن هناك زيادة عرض
اختلف منها في مسئلتين واتفق في الباقي) وذلك أنه من باع شيئا إلى أجل ثم
اشتراه، فإما أن يشتريه إلى ذلك الأجل بعينه أو قبله أو بعده، وفي كل واحد
من هذه الثلاثة إما أن يشتريه بمثل الثمن الذي باعه به منه، وإما بأقل،
وإما بأكثر يختلف من ذلك في اثنتين؛ وهو أن يشتريها قبل الأجل نقدا بأقل من
الثمن أو إلى أبعد من ذلك الأجل بأكثر من ذلك الثمن. فعند مالك وجمهور
أهل المدينة أن ذلك لا يجوز. وقال الشافعي وداود وأبو ثور يجوز، فمن منعه
فوجه منعه اعتبار البيع الثاني بالبيع الأول، فاتهمه أن يكون إنما قصد دفع
الدنانير في أكثر منها إلى أجل، وهو الربا المنهي عنه فزور لذلك هذه الصورة
ليتصلا بها إلى الحرام مثل أن يقول قائل لآخر: أسلفني عشرة دنانير إلى
شهر وأرد إليك عشرين دينارا، فيقول: هذا لا يجوز، ولكن أبيع منك هذا
الحمار بعشرين إلى شهر، ثم أشتريه منك بعشرة نقدا. وأما في الوجوه
الباقية فليس يتهم فيها لأنه إن أعطى أكثر من الثمن في أقل من ذلك الأجل لم
يتهم، وكذلك إن اشتراها بأقل من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل، ومن
الحجة لمن رأى هذا الرأي حديث أبي العالية عن عائشة أنها سمعتها وقد قالت
لها امرأة كانت أم ولد لزيد بن أرقم: يا أم المؤمنين إني بعت من زيد عبدا
إلى العطاء بثمانمائة فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل محل الأجل بستمائة،
فقالت عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب، قالت: أرأيت إن تركت وأخذت
الستمائة دينار؟ قالت: نعم وأما الشافعي فلا يعتبر التهم كما قلنا وإنما
يراعي فيما يحل ويحرم من البيوع ما اشترطا وذكراه بألسنتهما وظهر من فعلهما
لإجماع العلماء على أنه إذا قال أبيعك هذه الدراهم بدراهم مثلها وأنظرك بها
حولا أو شهرا أنه لا يجوز، ولو قال له: أسلفني دراهم وأمهلني بها حولا أو
شهرا جاز، فليس بينهما إلا اختلاف لفظ البيع وقصده ولفظ القصد وقرضه، ولما
كانت أصول الربا كما قلنا خمسة: أنظرني أزدك، والتفاضل، والنساء، وضع
وتعجل، وبيع الطعام قبل قبضه، فإنه يظن أنه من هذا الباب إذ فاعل ذلك يدفع
دنانير ويأخذ أكثر منها من غير تكلف فعل ولا ضمان يتلق بذمته، فينبغي أن
نذكر ههنا هذين الأصلين. أما: ضع وتعجل فأجازه ابن عباس من الصحابة
وزفر من فقهاء الأمصار، ومنعه جماعة منهم ابن عمر من الصحابة ومالك وأبو
حنيفة والثوري وجماعة من فقهاء الأمصار، واختلف قول الشافعي في ذلك، فأجاز
مالك وجمهور من ينكر: ضع وتعجل، أن يتعجل الرجل في دينه المؤجل عرضا
يأخذه وإن كانت قيمته أقل من دينه. وعمدة من لم يجز: ضع وتعجل أنه شبيه
بالزيادة مع النظرة المجتمع على تحريمها، ووجه شبهه بها أنه جعل للزمان
مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا، وذلك أنه هنالك لما زاد له في
الزمان زاد له عرضه ثمنا، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته
ثمنا. وعمدة من أجازه ما روي عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم
لما أمر بإخراج بني النضير جاءه ناس منهم فقالوا: يا نبي الله إنك أمرت
بإخراجنا ولنا على الناس ديون لم تحل، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ضعوا وتعجلوا" فسبب الخلاف معارضة قياس الشبه لهذا الحديث. وأما بيع الطعام قبل قبضه، فإن العلماء مجمعون
على منع ذلك إلا ما يحكى عن عثمان البتي. وإنما أجمع العلماء على ذلك
لثبوت النهي عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث مالك عن نافع عن
عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من ابتاع طعاما
فلا يبعه حتى يقبضه". واختلف من هذه المسألة في ثلاثة مواضع أحدها:
فيما يشترط فيه القبض من المبيعات. والثاني: في الاستفادات التي يشترط
في بيعها القبض من التي لا يشترط. والثالث: في الفرق بين ما يباع من
الطعام مكيلا وجزافا، ففيه ثلاثة فصول: -وأما بيع ما سوى الطعام قبل القبض فلا خلاف في
مذهب مالك في إجازته وأما الطعام الربوي فلا خلاف في مذهبه أن القبض شرط في
بيعه. وأما غير الربوي من الطعام فعنه في ذلك روايتان: إحداهما المنع
وهي الأشهر، وبها قال أحمد وأبو ثور، إلا أنهما اشترطا مع الطعم الكيل
والوزن. والرواية الأخرى الجواز. وأما أبو حنيفة فالقبض عنده شرط في كل
مبيع ما عدا المبيعات التي لا تنتقل ولا تحول من الدور والعقار. وأما
الشافعي فإن القبض عنده شرط في كل مبيع، وبه قال الثوري، وهو مروي عن جابر
بن عبد الله وابن عباس. وقال أبو عبيد وإسحاق: كل شيء لا يكال ولا يوزن
فلا بأس ببيعه قبل قبضه، فاشترط هؤلاء القبض في المكيل والموزون، وبه قال
ابن حبيب وعبد العزيز ابن أبي سلمة وربيعة، وزاد هؤلاء مع الكيل والوزن
المعدود، فيتحصل في اشتراط القبض سبعة أقوال: الأول: في الطعام الربوي
فقط. والثاني: في الطعام بإطلاق. الثالث: في الطعام المكيل
والموزون. الرابع: في كل شيء ينقل. الخامس: في كل شيء. السادس:
في المكيل والموزون. السابع: في المكيل والموزون والمعدود. أما عمدة
مالك في منعه ما عدا المنصوص عليه فدليل الخطاب في الحديث المتقدم. وأما
عمدة الشافعي في تعميم ذلك في كل بيع فعموم قوله عليه الصلاة والسلام "لا
يحل بيع وسلف ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك" وهذا من باب بيع
ما لم يضمن، وهذا مبني على مذهبه من أن القبض شرط في دخول المبيع في ضمان
المشتري، واحتج أيضا بحديث حكيم بن حزام قال: قلت "يا رسول الله إني
اشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم؟ فقال: يا ابن أخي إذا اشتريت
بيعا فلا تبعه حتى تقبضه" قال أبو عمر: حديث حكيم من حزام رواه يحيى بن
أبي كثير عن يوسف بن ماهك أن عبد الله بن عصمة حدثه أن حكيم ابن حزام
قال: ويوسف بن ماهك وعبد الله بن عصمة لا أعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو
عنهما إلا رجل واحد فقط، وذلك في الحقيقة ليس بجرحة وإن كرهه جماعة من
المحدثين. ومن طريق المعنى أن بيع ما لم يقبض يتطرق منه إلى الربا، وإنما
استثنى أبو حنيفة ما يحول وينقل عنده مما لا ينقل، لأن ما ينقل القبض عنده
فيه هي التخلية. وأما من اعتبر الكيل والوزن، فلاتفاقهم أن المكيل
والموزون لا يخرج من ضمان البائع إلى ضمان المشتري إلا بالكيل أو الوزن وقد
نهي عن بيع ما لم يضمن. -وأما ما يعتبر ذلك فيه مما لا يعتبر، فإن
العقود تنقسم أولا إلى قسمين: قسم يكون بمعاوضة، وقسم يكون بغير معاوضة
كالهبات والصدقات. والذي يكون بمعاوضة ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها يختص
بقصد المعاينة والمكايسة وهي البيوع والإجارات والمهور والصلح والمال
المضمون بالتعدي وغيره. والقسم الثاني لا يختص بقصد المغابنة، وإنما يكون
على جهة الرفق وهو القرض. والقسم الثالث فهو ما يصح أن يقع على الوجهين
جميعا: أعني على قصد المغابنة وعلى قصد الرفق، كالشركة والإقالة والتولية
وتحصيل أقوال العلماء في هذه الأقسام. أما ما كان بيعا وبعوض فلا خلاف في
اشتراط القبض فيه، وذلك في الشيء الذي يشترط فيه القبض واحد واحد من
العلماء. وأما ما كان خالصا للرفق: أعني القرض، فلا خلاف أيضا أن القبض
ليس شرطا في بيعه أعني أنه يجوز للرجل أن يبيع القرض قبل أن يقبضه.
واستثنى أبو حنيفة مما يكون بعوض المهر والخلع، فقال: يجوز بيعهما قبل
القبض. وأما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة وهي التولية
والشركة والإقالة، فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو
التولية بزيادة أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض
وبعده، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض،
وتجوز الإقالة عندهما لأنها قبل القبض فسخ بيع لا بيع. فعمدة من اشترط
القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك
من ذلك التولية والإقالة والشركة للأثر والمعنى. أما الأثر فما رواه من
مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من ابتاع
طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه" إلا ما كان من شركة أو تولية أو إقالة.
وأما من طريق المعنى فإن هذه إنما يراد بها الرفق لا المغابنة إذا لم
تدخلها زيادة أو نقصان، وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع
والجعل، لأن العوض في ذلك ليس بينا إذا لم يكن عينا. -وأما اشتراط القبض فيما بيع من الطعام جزافا،
فإن مالكا رخص فيه وأجازه وبه قال الأوزاعي، ولم يجز ذلك أبو حنيفة
والشافعي. وحجتهما عموم الحديث المتضمن للنهي عن بيع الطعام قبل قبضه،
لأن الذريعة موجودة في الجزاف وغير الجزاف. ومن الحجة لهما ما روي عن ابن
عمر أنه قال "كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام
جزافا، فبعث إلينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان
سواء قبل أن نبيعه، قال أبو عمر: وإن كان مالك لم يرو عن نافع في هذا
الحديث ذكر الجزاف، فقد روته جماعة وجوده عبيد الله بن عمر وغيره، وهو
متقدم في حفظ حديث نافع. وعمدة المالكية أن الجزاف ليس فيه حق توفية، فهو
عندهم من ضمان المشتري بنفس العقد، وهذا من باب تخصيص العموم بالقياس
المظنون العلة، وقد يدخل في هذا الباب إجماع العلماء على منع بيع الرجل
شيئا لا يملكه، وهو المسمى عينة عند من يرى نقله من باب الذريعة إلى
الربا. وأما من رأى منعه من جهة أنه قد لا يمكنه نقله فهو داخل في بيوع
الغرر؛ وصورة التذرع منه إلى الربا المنهي عنه أن يقول رجل لرجل: أعطني
عشرة دنانير على أن أدفع لك إلى مدة كذا ضعفها، فيقول له: هذا لا يصلح،
ولكن أبيع منك سلعة كذا لسلعة يسميها ليست عنده بهذا العدد، ثم يعمد هو
فيشتري تلك السلعة فيقبضها له بعد أن كمل البيع بينهما، وتلك السلعة قيمتها
قريب مما كان سأله أن يعطيه من الدراهم قرضا فيرد عليه ضعفها، وفي المذهب
في هذا تفصيل ليس هذا موضع ذكره، ولا خلاف في هذه الصورة التي ذكرنا أنها
غير جائزة في المذهب: أعني إذا تقارا على الثمن الذي يأخذ به السلعة قبل
شرائها. وأما الدين بالدين، فأجمع المسلمون على منعه. واختلفوا في
مسائل هل هي منه أم ليست منه؟ مثل ما كان ابن القاسم لا يجيز أن يأخذ
الرجل من غريمه في دين له عليه تمرا قد بدا صلاحه ولا سكنى دار ولا جارية
تتواضع، ويراه من باب الدين بالدين. وكان أشهب يجيز ذلك ويقول: ليس هذا
من باب الدين بالدين، وإنما الدين بالدين ما لم يشرع في أخذ شيء منه، وهو
قياس عند كثير من المالكيين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. ومما أجازه
مالك من هذا الباب وخالفه فيه جمهور العلماء ما قاله في المدونة من أن
الناس كانوا يبيعون اللحم بسعر معلوم والثمن إلى العطاء، فيأخذ المبتاع كل
يوم وزنا معلوما قال: ولم ير الناس بذلك بأسا، وكذلك كل ما يبتع في
الأسواق، وروى ابن القاسم أن ذلك لا يجوز إلا فيما خشي عليه من الفساد من
الفواكه إذا أخذ جميعه. وأما القمح وشبهه فلا، فهذه هي أصول هذا الباب،
وهذا الباب كله إنما حرم في الشرع لمكان الغبن الذي يكون طوعا وعن علم.
-وهي البيوع المنهي عنها من قبل الغبن الذي
سببه الغرر، والغرر يوجد في المبيعات من جهة الجهل على أوجه: إما من جهة
الجهل بتعيين المعقود عليه، أو تعيين العقد، أو من جهة الجهل بوصف الثمن
والمثمون المبيع، أو بقدره أو بأجله إن كان هنالك أجل، وإما من جهة الجهل
بوجوده أو تعذر القدرة عليه، وهذا راجع إلى تعذر التسليم، وإما من جهة
الجهل بسلامته: أعني بقاءه، وههنا بيوع تجمع أكثر هذه أو بعضها، ومن
البيوع التي توجد فيها هذه الضروب من الغرر بيوع منطوق بها وبيوع مسكوت
عنها، والمنطوق به أكثره متفق عليه، وإنما يختلف في شرح أسمائها، والمسكوت
عنه مختلف فيه. ونحن نذكر أولا المنطوق به في الشرع، وما يتعلق به من
الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من المسكوت عنه ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء
الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه: أعني في رد الفروع إلى الأصول.
فأما المنطوق به في الشرع فمنه "نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل
الحبلة" ومنها "نهيه عن بيه ما لم يخلق، وعن بيع الثمار حتى تزهى، وعن
بيع الملامسة والمنابذة، وعن بيع الحصاة" ومنها "نهيه عن المعاومة، وعن
بيعتين في بيعة، وعن بيع وشرط، وعن بيع وسلف، وعن بيع السنبل حتى يبيض
والعنب حتى يسود" "ونهيه عن المضامين والملاقيح". أما بيع الملامسة
فكانت صورته في الجاهلية أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره أو يبتاعه ليلا،
ولا يعلم ما فيه، وهذا مجمع على تحريمه، وسبب تحريمه الجهل بالصفة. وأما
بيع المنابذة فكان أن ينبذ كل واحد من المتبايعين إلى صاحبه الثوب من غير
أن يعين أن هذا بهذا، بل كانوا يجعلون ذلك راجعا إلى الاتفاق. وأما بيع
الحصاة، فكانت صورته عندهم أن يقول المشتري: أي ثوب وقعت عليه الحصاة
التي أرمي بها فهو لي، وقيل أيضا إنهم كانوا يقولون: إذا وقعت الحصاة من
يدي فقد وجب البيع وهذا قمار. وأما بيع حبل الحبلة ففيه تأويلان: أحدهما
أنها كانت بيوعا يؤجلونها إلى أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم ينتج ما في
بطنها، والغرر من جهة الأجل في هذا بين؛ وقيل إنما هو بيع جنين الناقة،
وهذا من باب النهي عن بيع المضامين والملاقيح. والمضامين: هي ما في
بطون الحوامل، والملاقيح: ما في ظهور الفحول، فهذه كلها بيوع جاهلية متفق
على تحريمها، وهي محرمة من تلك الأوجه التي ذكرناها. وأما بيع الثمار،
فإنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام "أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها
وحتى تزهى" ويتعلق بذلك مسائل مشهورة نذكر منها نحن عيونها. وذلك أن
بيع الثمار لا يخلو أن تكون قبل أن تخلق أو بعد أن تخلق، ثم إذا خلقت لا
يخلو أن تكون بعد الصرام أو قبله، ثم إذا كان قبل الصرام فلا يخلو أن تكون
قبل أن تزهى أو بعد أن تزهى، وكل واحد من هذين لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا
أو بشرط التبقية أو بشرط القطع. أما القسم الأول وهو بيع الثمار قبل أن
تخلق فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك، لأنه من باب النهي عن بيع ما لم
يخلق، ومن باب بيع السنين والمعاومة. وقد روي عنه عليه الصلاة والسلام
"أنه نهى عن بيع السنين وعن بيع المعاومة، وهي بيع الشجر أعواما" إلا
ما روي عن عمر ابن الخطاب وابن الزبير أنهما كانا يجيزان بيع الثمار
سنين. وأما بيعها بعد الصرام فلا خلاف في جوازه. وأما بيعها بعد أن
خلقت فأكثر العلماء على جواز ذلك على التفصيل الذي نذكره، إلا ما روي عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعن عكرمة أنه لا يجوز إلا بعد الصرام، فإذا قلنا
بقول الجمهور إنه يجوز قبل الصرام، فلا يخلو أن تكون بعد أن تزهى أو قبل أن
تزهى، وقد قلنا إن ذلك لا يخلو أن يكون بيعا مطلقا أو بيعا بشرط القطع أو
بشرط التبقية. فأما بيعها قبل الزهو بشرط القطع فلا خلاف في جوازه إلا ما
روي عن الثوري وابن أبي ليلى من منع ذلك، وهي رواية ضعيفة. وأما بيعها
قبل الزهو بشرط التبقية فلا خلاف في أنه لا يجوز إلا ما ذكره اللخمي من
جوازه تخريجا على المذهب. وأما بيعها قبل الزهو مطلقا، فاختلف في ذلك
فقهاء الأمصار، فجمهورهم على أنه لا يجوز: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق
والليث والثوري وغيرهم. وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك إلا أنه يلزم المشتري
عنده فيه القطع لا من جهة ما هو بيع ما لم يره بل من جهة أن ذلك شرط عنده
في بيع الثمر على ما سيأتي بعد. أما دليل الجمهور على منع بيعها مطلقا قبل
الزهو، فالحديث الثابت عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري" فعلم أن ما بعد
الغاية بخلاف ما قبل الغاية، وأن هذا النهي يتناول البيع المطلق بشرط
التبقية، ولما ظهر للجمهور أن المعنى في هذا خوف ما يصيب الثمار الجائحة
غالبا قبل أن تزهى لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك بعد نهيه
عن بيع الثمرة قبل الزهو "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال
أخيه؟" لم يحمل العلماء النهي في هذا على الإطلاق: أعني النهي عن
البيع قبل الإزهاء بل رأى أن معنى النهي هو بيعه بشرط التبقية إلى الإزهاء،
فأجازوا بيعها قبل الإزهاء بشرط القطع. واختلفوا إذا ورد البيع مطلقا في
هذه الحال هل يحمل على القطع وهو الجائز، أو على التبقية الممنوعة؟ فمن
حمل الإطلاق على التبقية، أو رأى أن النهي يتناوله بعمومه قال: لا يجوز؛
ومن حمله على القطع قال: يجوز، والمشهور عن مالك أن الإطلاق محمول على
التبقية، وقد قيل عنه إنه محمول على القطع. وأما الكوفيون فحجتهم في بيع
الثمار مطلقا قبل أن تزهى حديث ابن عمر الثابت أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال "من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع"
قالوا: فلما جاز أن يشترطه المبتاع جاز بيعه مفردا، وحملوا الحديث الوارد
بالنهي عن بيع الثمار قبل أن تزهى على الندب، واحتجوا لذلك بما روي عن زيد
بن ثابت قال: "كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون
الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع:
أصاب الثمر الزمان أصابه ما أضر به قشام ومراض لعاهات يذكرونها، فلما كثرت
خصومتهم عند النبي قال كالمشورة يشير بها عليهم: لا تبيعوا الثمر حتى
يبدو صلاحها" وربما قالوا: إن المعنى الذي دل عليه الحديث في قوله
"حتى يبدو صلاحه" هو ظهور الثمرة بدليل قوله عليه الصلاة والسلام
"أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه؟" وقد كان يجب على من قال من الكوفيين بهذا القول
ولم يكن يرى رأي أبو حنيفة في أن من ضرورة بيع الثمار القطع أن يجيز بيع
الثمر قبل بدو صلاحها على شرط التبقية، فالجمهور يحملون جواز بيع الثمار
بالشرط قبل الإزهاء على الخصوص: أعني إذا بيع الثمر مع الأصل. وأما
شراء الثمر مطلقا بعد الزهو فلا خلاف فيه، والإطلاق فيه عند جمهور فقهاء
الأمصار يقتضي التبقية، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام "أرأيت إن منع
الله الثمرة" الحديث. ووجه الدليل منه أن الجوائح إنما تطرأ في الأكثر
على الثمار قبل بدو الصلاح، وأما بعد بدو الصلاح فلا تظهر إلا قليلا، ولو
لم يجب في المبيع بشرط التبقية لم يكن هنالك جائحة تتوقع، وكان هذا الشرط
باطلا. وأما الحنفية فلا يجوز عندهم بيع الثمر بشرط التبقية، والإطلاق
عندهم كما قلنا محمول على القطع، وهو خلاف مفهوم الحديث، وحجتهم أن نفس بيع
الشيء يقتضي تسليمه وإلا لحقه الغرر، ولذلك لم يجز أن تباع الأعيان إلى
أجل. والجمهور على أن بيع الثمار مستثنى من بيع الأعيان إلى أجل لكون
الثمر ليس يمكن أن ييبس كله دفعة، فالكوفيون خالفوا الجمهور في بيع الثمار
في موضعين: أحدهما في جواز بيعها قبل أن تزهى. والثاني في منع تبقيتها بالشرط بعد الإزهاء أو
بمطلق العقد، وخلافهم في الموضع الأول أقوى من خلافهم في الموضع الثاني:
أعني في شرط القطع وإن أزهى، وإنما كان خلافهم في الموضع الأول أقرب، لأنه
من باب الجمع بين حديثي ابن عمر المتقدمين، لأن ذلك أيضا مروي عن عمر بن
الخطاب وابن الزبير، وأما بدو الصلاح الذي جوز رسول الله صلى الله عليه
وسلم البيع بعده، فهو أن يصفر فيه البسر ويسود فيه العنب إن كان مما يسود،
وبالجملة أن تظهر في الثمر صفة الطيب، هذا هو قول جماعة فقهاء الأمصار لما
رواه مالك عن حميد عن أنس "أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله حتى يزهى،
فقال: حتى يحمر" وروي عنه عليه الصلاة والسلام "أنه نهى عن بيع العنب
حتى يسود، والحب حتى يشتد" وكان زيد بن ثابت في رواية مالك عنه لا يبيع
ثماره حتى تطلع الثريا، وذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من أيار وهو مايو، وهو
قول ابن عمر أيضا "سئل عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه نهى عن
بيع الثمار حتى تنجو من العاهات، فقال عبد الله بن عمر: ذلك وقت طلوع
الثريا" وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا طلع
النجم صباحا رفعت العاهات عن أهل البلد" وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا
بأس أن يباع الحائط وإن لم يزه إذا أزهى ما حوله من الحيطان إذا كان الزمان
قد أمنت فيه العاهة، يريد {والله أعلم} طلوع الثريا، إلا أن المشهور
عنه أنه لا يباع حائط حتى يبدو فيه الزهو، وقد قيل إنه لا يعتبر مع الإزهاء
طلوع الثريا. فالمحصل في بدو الصلاح للعلماء ثلاثة أقوال: قول إنه
الإزهاء، وهو المشهور، وقول إنه طلوع الثريا، وإن لم يكن في الحائط في حين
البيع إزهاء؛ وقول: الأمران جميعا. وعلى المشهور من اعتبار الإزهاء
يقول مالك إنه إذا كان في الحائط الواحد بعينه أجناس من الثمر مختلفة الطيب
لم يبع كل صنف منها إلا بظهور الطيب فيه، وخالفه في ذلك الليث. وأما الأنواع المتقاربة الطيب فيجوز عنده بيع
بعضها بطيب البعض، وبدو الصلاح المعتبر عن مالك في الصنف الواحد من الثمر
هو وجود الإزهاء في بعضه لا في كله إذا لك يكن ذلك الإزهاء مبكرا في بعضه
تبكيرا يتراخى عنه البعض بل إذا كان متتابعا، لأن الوقت الذي تنجو الثمرة
فيه في الغالب من العاهات هو إذا بدا الطيب في الثمرة ابتداء متناسقا غير
منقطع. وعند مالك أنه إذا بدا الطيب في نخلة بستان جاز بيعه وبيع
البساتين المجاورة له إذا كان نخل البساتين من جنس واحد. وقال الشافعي:
لا يجوز إلا بيع نخل البستان الذي يظهر فيه الطيب فقط. ومالك اعتبر الوقت
الذي تؤمن فيه العاهة إذا كان الوقت واحدا للنوع الواحد. والشافعي اعتبر
نقصان خلقة الثمر، وذلك أنه إذا لم يطب كان من بيع ما لم يخلق، وذلك أمن
صفة الطيب فيه وهي مشتراة لم تخلق بعد، لكن هذا كما قال لا يشترط في كل
الثمرة بل في بعض ثمرة جنة واحدة، وهذا لم يقل به أحد، فهذا هو مشهور ما
اختلفوا فيه من بيع الثمار. ومن المسموع الذي اختلفوا فيه من هذا الباب ما
جاء عنه عليه الصلاة والسلام من النهي عن بيع السنبل حتى يبيض والعنب حتى
يسود، وذلك أن العلماء اتفقوا على أنه لا يجوز بيع الحنطة في سنبلها دون
السنبل، لأنه بيع ما لم تعلم صفته ولا كثرته. واختلفوا في بيع السنبل
نفسه مع الحب، فجوز ذلك جمهور العلماء: مالك وأبو حنيفة وأهل المدينة
وأهل الكوفة؛ وقال الشافعي: لا يجوز بيع السنبل نفسه وإن اشتد، لأنه من
باب الغرر وقياسا على بيعه مخلوطا بتبنه بعد الدرس. وحجة الجمهور
شيئان: الأثر والقياس: فأما الأثر فما روي عن نافع عن ابن عمر أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخيل حتى تزهى، وعن السنبل حتى تيبض
وتأمن العاهة، نهي البائع والمشتري" وهي زيادة على ما رواه مالك من هذا
الحديث، والزيادة إذا كانت من الثقة مقبولة وروي عن الشافعي أنه لما وصلته
هذه الزيادة رجع عن قوله، وذلك أنه لا يصح عنده قياس مع وجود الحديث.
وأما بيع السنبل إذا أفرك ولم يشتد فلا يجوز عند مالك إلا على القطع.
وأما بيع السنبل غير محصود، فقيل عن مالك يجوز، وقيل لا يجوز، إلا إذا كان
في حزمه. وأما بيعه في تبنه بعد الدرس فلا يجوز بلا خلاف فيما أحسب، هذا
إذا كان جزافا، فأما إذا كان مكيلا فجائز عند مالك، ولا أعرف فيه قولا
لغيره واختلف الذين أجازوا بيع السنبل إذا طاب على من يكون حصاده ودرسه؛
فقال الكوفيون: على البائع حتى يعمله حبا للمشتري؛ وقال غيرهم: هو على
المشتري. ومن هذا الباب ما ثبت "أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة" وذلك من حديث ابن عمر وحديث ابن مسعود
وأبي هريرة، قال أبو عمر: وكلها من نفل العدول، فاتفق الفقهاء على القول
بموجب هذا الحديث عموما؛ واختلفوا في التفصيل، أعني في الصورة التي ينطلق
عليها الاسم من التي لا ينطلق عليها واتفقوا أيضا على بعضها، وذلك يتصور
على ثلاثة وجوه: أحدها إما في مثمونين بثمنين، أو مثمون واحد بثمنين، أو
مثمونين بثمن واحد على أن أحد البيعين قد لزم. أما في مثمونين بثمنين،
فإن ذلك يتصور على وجهين: أحدهما أن يقول له: أبيعك هذه السلعة بثمن
كذا على أن تبيعني هذه الدار بثمن كذا؛ والثاني أن يقول له: أبيعك هذه
السلعة بدينار أو هذه الأخرى بدينارين. وأما بيع مثمون واحد بثمنين، فإن
ذلك يتصور أيضا على وجهين: أحدهما أن يكون أحد الثمنين نقدا والآخر
نسيئة، مثل أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بثمن كذا على أن أشتريه منك
إلى أجل كذا بثمن كذا، وأما مثمونان بثمن واحد، فمثل أن يقول له: أبيعك
أحد هذين بثمن كذا، فأما الوجه الأول، وهو أن يقول له: أبيعك هذه الدار
بكذا على أن تبيعني هذا الغلام بكذا، فنص الشافعي على أنه لا يجوز، لأن
الثمن في كليهما يكون مجهولا، لأنه لو أفرد المبيعين لم يتفقا في كل واحد
منهما على الثمن الذي اتفقا عليه في المبيعين في عقد واحد. وهي البيوع المنهي عنها من قبل الغبن الذي
سببه الغرر، والغرر يوجد في... ... وأصل الشافعي في رد بيعتين في بيعة إنما هو جهل
الثمن أو المثمون. وأما الوجه الثاني، وهو أن يقول: أبيعك هذه السلعة
بدينار أو هذه الأخرى بدينارين على أن البيع قد لزم في أحدهما فلا يجوز عند
الجميع، وسواء كان النقد واحدا أو مختلفا؛ وخالف عبد العزيز بن أبي سلمة في
ذلك، فأجازه إذا كان النقد زاحدا أو مختلفا، وعلة منعه عند الجميع الجهل؛
وعند مالك من باب سد الذرائع لأنه ممكن أن يختار في نفسه أحد الثوبين،
فيكون قد باع ثوبا ودينارا بثوب ودينار، وذلك لا يجوز على أصل مالك. وأما
الوجه الثالث، وهو أن يقول له: أبيعك هذا الثوب نقدا بكذا أو نسيئة بكذا،
فهذا إذا كان البيع فيه واجبا فلا خلاف في أنه لا يجوز، وأما إذا لم يكن
البيع لازما في إحدهما فأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي، لأنهما
افترقا على ثمن غير معلوم؛ وجعله مالك من باب الخيار، لأنه إذا كان عنده
على الخيار لم يتصور فيه ندم يوجب تحويل أحد الثمنين في الآخر، وهذا عند
مالك هو المانع، فعلة امتناع هذا الوجه الثالث عند الشافعي وأبي حنيفة من
جهة جهل الثمن، فهو عندهما من بيوع الغرر التي نهي عنها؛ وعلة امتناعه عند
مالك سد الذريعة الموجبة للربا لإمكان أن يكون الذي له الخيار قد اختار
أولا إنقاذ العقد بأحد الثمنين المؤجل أو المعجل ثم بدا له ولم يظهر ذلك،
فيكون قد ترك أحد الثمنين للثمن الثاني، فكأنه باع أحد الثمنين بالثاني،
فيدخله ثمن بثمن نسيئة، أو نسيئة ومتفاضلا، وهذا كله إذا كان الثمن نقدا،
وإن كان الثمن غير نقد بل طعاما دخله وجه آخر، وهو بيع الطعام بالطعام
متفاضلا. وأما إذا قال: أشتري منك هذا الثوب نقدا بكذا على أن تبيعه
مني إلى أجل، فهو عندهم لا يجوز بإجماع، لأنه من باب العينة وهو بيع الرجل
ما ليس عنده، ويدخله أيضا علة جهل الثمن. وأما إذا قال له: أبيعك
أحدهذين الثوبين بدينار وقد لزمه أحدهما أيهما اختار وافترقا قبل الخيار،
فإن كان الثوبان من صنفين وهما مما يجوز أن يسلم أحدهما في الثاني فإنه لا
خلاف بين مالك والشافعي في أنه لا يجوز؛ وقال عبد العزيز بن أبي سلمة:
إنه يجوز، وعلة المنع الجهل والغرر. وأما إن كانا من صنف واحد فيجوز عند
مالك، ولا يجوز عند أبي حنيفة والشافعي؛ وأما مالك فإنه أجازه لأنه يجيز الخيار بعد عقد
البيع في الأصناف المستوية لقلة الغرر عنده في ذلك؛ وأما من لا يجيزه
فتعتبره بالغرر الذي لا يجوز، لأنهما افترقا على بيع غير معلوم. وبالجملة
فالفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل
يجوز. ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر، فبعضهم بلحقها بالغرر الكثير،
وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح لترددها بين القليل والكثير؛ فإذا قلنا
بالجواز على مذهب مالك، فقبض الثوبين من المشتري على أن يختار فهلك أحدهما
أو أصابه عيب فمن يصيبه ذلك؟ فقيل تكون المصيبة بينهما، وقيل بل يضمنه
كله المشتري، إلا أن تقوم البينة على هلاكه؛ وقيل فرق في ذلك بين الثياب
وما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه كالعبد فيضمن فيما يغاب عليه ولا يضمن
فيما لا يغاب عليه. وأما هل يلزمه أخذ الباقي؟ قيل يلزم، وقيل لا يلزم،
وهذا يذكر في أحكام البيوع. وينبغي أن نعلم أن المسائل الداخلة في هذا
المعنى هي: أما عند فقهاء الأمصار فمن باب الغرر؛ وأما عند مالك فمنها ما
يكون عنده من باب ذرائع الربا، ومنها ما يكون من باب الغرر، فهذه هي
المسائل التي تتعلق بالمنطوق به في هذا الباب. وأما نهيه عن بيع الثنيا
وعن بيع وشرط فهو وإن كان سببه الغرر فالأشبه أن نذكرها في المبيعات
الفاسدة من قبل الشروط. - - - - وأما الجمهور فإن هذا كله عندهم من بيع ما لم
يخلق، ومن باب النهي عن بيع الثمار معاومة. واللفت والجزر والكرنب جائز
عند مالك بيعه إذا بدا صلاحه وهو استحقاقه للأكل، ولم يجزه الشافعي إلا
مقلوعا، لأنه من باب بيع المغيب؛ ومن هذا الباب بيع الجوز واللوز والباقلا
في قشره، أجازه مالك، ومنعه الشافعي. والسبب في اختلافهم هل هو من الغرر
المؤثر في البيوع أم ليس من المؤثر؟ وذلك أنهم اتفقوا أن الغرر ينقسم
بهذين القسمين، وأن غير المؤثر هو اليسير أو الذي تدعو إليه الضرورة، أو ما
جمع الأمرين. ومن هذا الباب بيع السمك في الغدير أو البركة اختلفوا فيه
أيضا، فقال أبو حنيفة: يجوز، ومنعه مالك والشافعي فيما أحسب، وهو الذي
تقتضي أصوله. ومن ذلك بيع الآبق أجازه قوم بإطلاق، ومنعه قوم بإطلاق
ومنهم الشافعي؛ وقال مالك: إذا كان معلوم الصفة معلوم الموضع عند البائع
والمشتري جاز، وأظنه اشترط أن يكون معلوم الإباق ويتواضعان الثمن، أعني أنه
لا يقبضه البائع حتى يقبضه المشتري، لأنه يتردد عند العقد بين بيع وسلف،
وهذا أصل من أصوله يمنع به النقد في بيع المواضعة وفي بيع الغائب غير
المأمون، وفيما كان من هذا الجنس. وممن قال بجواز بيع الآبق والبعير
الشارد عثمان البتي. والحجة للشافعي حديث شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن شراء العبد الآبق، وعن شراء ما
في بطون الأنعام حتى تضع، وعن شراء ما في ضروعها، وعن شراء الغنائم حتى
تقسم" وأجاز مالك بيع لبن الغنم أياما معدودة إذا كان ما يحلب منها
معروفا في العادة، ولم يجز ذلك في الشاة الواحدة؛ وقال سائر الفقهاء: لا
يجوز ذلك إلا بكيل معلوم بعد الحلب. ومن هذا الباب منع مالك بيع اللحم في
جلده. ومن هذا الباب بيع المريض أجازه مالك إلا أن يكون ميئوسا منه؛
ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، وهي رواية أخرى عنه، ومن هذا الباب بيع تراب
المعدن والصواغين، فأجاز مالك بيع تراب المعدن بنقد يخالفه أو بعرض، ولم
يجز بيع تراب الصاغة؛ ومنع الشافعي البيع في الأمرين جميعا؛ وأجازه قوم في
الأمرين جميعا، وبه قال الحسن البصري، فهذه هي البيوع التي يختلف فيها أكثر ذلك من
قبل الجهل بالكيفية. وأما اعتبار الكمية فإنهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن
يباع شيء من المكيل أو الموزون أو المعدود أو المسموح إلا أن يكون معلوم
القدر عند البائع والمشتري؛ واتفقوا على أن العلم الذي يكون بهذه الأشياء
من قبل الكيل المعلوم أو الصنوج المعلومة مؤثر في صحة البيع، وفي كل ما كان
غير معلوم الكيل والوزن عند البائع والمشتري من جميع الأشياء المكيلة
والموزونة والمعدودة والممسوحة، وأن العلم بمقادير هذه الأشياء التي تكون
من قبل الحزر والتخمين وهو الذي يسمونه الجزاف يجوز في أشياء ويمنع في
أشياء. وأصل مذهب مالك في ذلك أنه يجوز في كل ما المقصود منه الكثرة لا
آحاد وهو عنده أصناف: منها ما أصله الكيل ويجوز جزافا، وهي المكيلات
والموزونات؛ ومنها ما أصله الجزاف ويكون مكيلا، وهي الممسوحات كالأرضين
والثياب؛ ومنها ما لا يجوز فيها التقدير أصلا بالكيل والوزن، بل إنما يجوز
فيها العدد فقط ولا يجوز بيعها جزافا، وهي كما قلنا التي المقصود منها آحاد
أعيانها. وعند مالك أن التبر والفضة الغير المسكوكين
يجوز بيعهما جزافا ولا يجوز ذلك في الدراهم والدنانير؛ وقال أبو حنيفة
والشافعي: يجوز ويكره. ويجوز عند مالك أن تباع الصبرة المجهولة على
الكيل: أي كل كيل منها بكذا، فما كان فيها من الأكيال وقع من تلك القيمة
بعد كيلها والعلم بمبلغها؛ وقال أبو حنيفة: لا يلزم إلا في كيل واحد وهو
الذي سمياه. ويجوز هذا البيع عند مالك في العبيد والثياب وفي الطعام،
ومنعه أبو حنيفة في الثياب والعبيد، ومنع ذلك غيره في الكل فيما أحسب للجهل
بمبلغ الثمن. ويجوز عند مالك أن يصدق المشتري البائع في كيلها إذا لم يكن
البيع نسيئة، لأنه يتهمه أن يكون صدقه لينظره بالثمن؛ وعد غيره لا يجوز ذلك
حتى يكتالها المشتري لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى تجري فيه
الصيعان؛ وأجازه قوم على الإطلاق؛ وممن منعه أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛
وممن أجازه بإطلاق عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة؛ ولا يجوز عند مالك أن
يعلم البائع الكيل ويبيع المكيل جزافا ممن يجهل الكيل؛ ولا يجوز عند
الشافعي وأبي حنيفة. والمزابنة المنهي عنها هي عند مالك من هذا
الباب، وهي بيع مجهول الكمية بمجهول الكمية، وذلك أما في الربويات فلموضع
التفاضل، وأما في غير الربويات فلعدم تحقق القدر. -وهذه البيوع الفساد الذي يكون فيها هو راجع
إلى الفساد الذي يكون من قبل الغرر، ولكن لما تضمنها النص وجب أن تجعل قسما
من أقسام البيوع الفاسدة على حدة. والأصل في اختلاف الناس في هذا الباب
ثلاثة أحاديث: أحدها حديث جابر قال "ابتاع مني رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعيرا وشرط ظهره إلى المدينة" وهذا الحديث في الصحيح. والحديث
الثاني حديث بريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل شرط ليس في
كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط" والحديث متفق على صحته. والثالث
حديث جابر قال "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة
والمخابرة والمعاومة والثنيا، ورخص في العرايا" وهو أيضا في الصحيح خرجه
مسلم. ومن هذا الباب ما روي عن أبي حنيفة أنه روى "أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم نهى عن بيع وشرط" فاختلف العلماء لتعارض هذه الأحاديث في
بيع وشرط، فقال قوم: البيع فاسد والشرط جائز، وممن قال بهذا القول
الشافعي وأبو حنيفة؛ وقال قوم: البيع جائز والشرط جائز، وممن قال بهذا
القول ابن أبي شبرمة؛ وقال قوم: البيع جائز والشرط باطل، وممن قال بهذا
القول ابن أبي ليلى؛ وقال أحمد: البيع جائز مع شرط واحد، وأما مع شرطين
فلا، فمن أبطل البيع والشرط أخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط، ولعموم نهيه عن
الثنيا؛ ومن أجازهما جميعا أخذ بحديث عمر الذي ذكر فيه البيع والشرط؛ ومن
أجاز البيع وأبطل الشرط أخذ بعموم حديث بريرة؛ ومن لم يجز الشرطين وأجاز
الواحد احتج بحديث عمرو بن العاص خرجه أبو داود قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم "لا يحل سلف وبيع، ولا يجوز شرطان في بيع، ولا ربح ما لم
تضمن، ولا بيع ما ليس هو عندك". وأما مالك فالشروط عنده تنقسم ثلاثة أقسام:
شروط تبطل هي والبيع معا؛ وشروط تجوز هي والبيع معا؛ وشروط تبطل ويثبت
البيع؛ وقد يظن أن عنده قسما رابعا وهو أن من الشروط ما إن تمسك المشترط
بشرطه بطل البيع، وإن تركه جاز البيع، وإعطاء فروق بينة في مذهبه بين هذه
الأصناف الأربعة عسير، وقد رام ذلك كثير من الفقهاء، وإنما هي راجعة إلى
كثرة ما يتضمن الشروط من صنفي الفساد الذي يخل بصحة البيوع وهما الربا
والغرر وإلى قلته وإلى التوسط بين ذلك، أو إلى ما يفيد نقصا في الملك فما
كان دخول هذه الأشياء فيه كثيرا من قبل الشرط أبطله وأبطل الشرط، وما كان
قليلا أجازه وأجاز الشرط فيها، وما كان متوسطا أبطل الشرط وأجاز البيع،
ويرى أصحابه أن مذهبه هو أولى المذاهب، إذ بمذهبه تجتمع الأحاديث كلها،
والجمع عندهم أحسن من الترجيح، وللمتأخرين من أصحاب مالك في ذلك تفصيلات
متقاربة، وأحد من له ذلك جدي والمازري والباجي، وتفصيله في ذلك أنه قال:
إن الشرط في المبيع يقع على ضربين أولين: أحدهما أن يشترطه بعد انقضاء
الملك مثل من يبيع الأمة أو العبد، ويشترط أنه متى عتق كان له ولاؤه دون
المشتري، فمثل هذا قالوا: يصح فيه العقد ويبطل الشرط لحديث بريرة. والقسم الثاني أن يشترط عليه شرطا يقع في مدة
الملك، وهذا قالوا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إما أن يشترط في المبيع
منفعة لنفسه؛ وإما أن يشترط على المشتري منعا من تصرف عام أو خاص؛ وإما أن
يشترط إيقاع معنى في المبيع، وهذا أيضا ينقسم إلى قسمين: أحدهما أن يكون
معنى من معاني البر. والثاني أن يكون معنى ليس فيه من البر شيء. فأما
إذا اشترط لنفسه منفعة يسيرة لا تعود بمنع التصرف في أصل المبيع، مثل أن
يبيع الدار ويشترط سكناها مدة يسيرة مثل الشهر، وقيل السنة، فذلك جائز على
حديث جابر. وإما أن يشترط منعا من تصرف خاص أو عام، فذلك لا يجوز لأنه من
الثنيا، ومثل أن يبيع الأمة على أن لا يطأها أو لا يبيعها، وإما أن يشترط
معنى من معاني البر مثل العتق، فإن كان اشترط تعجيله جاز عنده، وإن تأخر لم
يجز لعظم الغرر فيه. وبقول مالك في إجازة البيع بشرط العتق المعجل قال
الشافعي على أن من قوله منع بيع وشرط، وحديث جابر عنده مضطرب اللفظ، لأن في
بعض رواياته أنه باعه واشترط ظهره إلى المدينة، وفي بعضها أنه أعاره ظهره
إلى المدينة. ومالك رأى هذا من باب الغرر اليسير فأجازه في المدة القليلة
ولم يجزه في الكثيرة. وأما أبو حنيفة فعلى أصله في منع ذلك. وأما إن
اشترط معنى في المبيع ليس ببر مثل أن لا يبيعها، فذلك لا يجوز عند مالك،
وقيل عنه البيع مفسوخ، وقيل بل يبطل الشرط فقط. وأما من قال له البائع:
متى جئتك بالثمن رددت علي المبيع فإنه لا يجوز عند مالك، لأنه يكون مترددا
بين البيع والسلف؛ إن جاء بالثمن كان سلفا، وإن لم يجيء كان بيعا. واختلف
في المذهب هل يجوز له ذلك في الإقالة أم لا؟ فمن رأى أن الإقالة بيع
فسخها عنده ما يفسخ سائر البيوع؛ ومن رأى أنها فسخ فرق بينها وبين
البيوع. واختلف أيضا فيمن باع شيئا بشرط أن لا يبيعه حتى ينتصف من الثمن،
فقيل عن مالك يجوز ذلك لأن حكمه حكم الرهن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون
الرهن هو المبيع أو غيره؛ وقيل عن ابن القاسم: لا يجوز ذلك، لأنه شرط
يمنع المبتاع التصرف في المبيع بالمدة البعيدة التي لا يجوز للبائع اشتراط
المنفعة فيها، فوجب أن يمنع صحة البيع، ولذلك قال ابن المواز إنه جائز في
الأمد القصير. ومن المسموع في هذا الباب نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع
وسلف اتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة. واختلفوا إذا ترك الشرط
قبل القبض، فمنعه أبو حنيفة والشافعي وسائر العلماء، وأجازه مالك وأصحابه
إلا محمد بن عبد الحكم، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور؛ وحجة الجمهور أن
النهي يتضمن فساد المنهي عنه مع أن الثمن يكون في المبيع مجهولا لاقتران
السلف به. وقد روي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه المسلئة
إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع، وبين رجل
باع غلاما بمائة دينار وزق خمر فلما عقد البيع قال: أنا أدع الزق، قال:
وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فأجاب إسماعيل عن هذا بجواب لا تقوم
به حجة، وهو أن قال له: الفرق بينهما أن مشترط السلف هو مخير في تركه أو
عدم تركه، وليس كذلك مسألة زق الخمر، وهذا الجواب هو نفس الشيء الذي طولب
فيه بالفرق، وذلك أنه يقال له: لم كان هنا مخيرا ولم يكن هنالك مخيرا في
أن يترك الزق ويصح البيع، والأشبه أن يقال إن التحريم ههنا لم يكن لشيء
محرم بعينه وهو السلف لأن السلف مباح، وإنما وقع التحريم من أجل
الاقتران: أعني اقتران البيع به، وكذلك البيع في نفسه جائز، وإنما امتنع
من قبل اقتران الشرط به، وهنالك إنما امتنع البيع من أجل اقتران شيء محرم
لعينه به، لا أنه شيء محرم من قبل الشرط. ونكتة المسألة هل إذا لحق
الفساد بالبيع من قبل الشرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا يرتفع، كما
لا يرتفع الفساد الللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرم العين به؟
وهذا أيضا ينبني على أصل آخر هو هل هذا الفساد حكمي أو معقول؟ فإن قلنا
حكمي لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا معقول ارتفع بارتفاع الشرط؛ فمالك رآه معقولا، والجمهور رأوه غير معقول
والفساد الذي يوجد في بيوع الربا والغرر هو أكثر ذلك حكمي، لذلك ليس ينعقد
عندهم أصلا، وإن ترك الربا بعد البيع أو ارتفع الغرر. واختلفوا في حكمه
إذا وقع على ما سيأتي في أحكام البيوع الفاسدة. ومن هذا الباب بيع
العربان فجمهور علماء الأمصار على أنه غير جائز؛ وحكي عن قوم من التابعين
أنهم أجازوه، منهم مجاهد وابن سيرين ونافع بن الحارث وزيد بن أسلم،
وصورته: أن يشتري الرجل شيئا فيدفع إلى المبتاع من ثمن ذلك المبيع شيئا
على أنه إن نفذ البيع بينهما كان ذلك المدفوع من ثمن السلعة، وإن لم ينفذ
ترك المشتري بذلك الجزء من الثمن عند البائع ولم يطالبه به؛ وإنما صار
الجمهور إلى منعه لأنه من باب الغرر والمخاطرة وأكل المال بغير عوض، وكان
زيد يقول: أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أهل الحديث: ذلك
غير معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي الاستثناء مسائل مشهورة
من هذا الباب اختلف الفقهاء فيها، أعني هل تدخل تحت النهي عن الثنيا، أو
ليست تدخل؟ فمن ذلك أن يبيع الرجل حاملا ويستثني ما في بطنها، فجمهور
فقهاء الأمصار مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري على أنه لا يجوز؛ وقال
أحمد وأبو ثور وداود ذلك جائز، وهو مروي عن ابن عمر. وسبب الخلاف هل
المستثنى مبيع مع ما استثنى منه، أم ليس بمبيع وإنما هو باق على ملك
البائع؟ فمن قال مبيع قال: لا يجوز وهو من الثنيا المنهي عنها لما قال
فيها من الجهل بصفته وقلة الثقة بسلامة خروجه؛ ومن قال هو باق على ملك
البائع أجاز ذلك؛ وتحصيل مذهب مالك فيمن باع حيوانا واستثنى بعضه أن ذلك
البعض لا يخلو أن يكون شائعا أو معينا أو مقدرا، فإن كان شائعا فلا خلاف في
جوازه مثل أن يبيع عبدا إلا ربعه. وأما إن كان معينا فلا يخلو أن يكون
مغيبا مثل الجنين، أو يكون غير مغيب، فإن كان مغيبا فلا يجوز، وإن كان غير
مغيب كالرأس واليد والرجل، فلا يخلو الحيوان أن يكون مما يستباح ذبحه أو لا
يكون، فإن كان مما لا يستباح ذبحه فإنه لا يجوز، لأنه
لا يجوز أن يبيع أحد غلاما ويستثني رجله، لأن حقه غير متميز ولا متبغض وذلك
مما لا خلاف فيه، وإن كان الحيوان مما يستباح ذبحه، فإن باعه واستثنى منه
عضوا له قيمة بشرط الذبح، ففي المذهب فيه قولان: أحدهما أنه لا يجوز وهو
المشهور؛ والثاني يجوز، وهو قول ابن حبيب جوز بيع الشاة مع استثناء القوائم
والرأس. وأما إذا لم يكن للمستثنى قيمة فلا خلاف في جوازه في المذهب،
ووجه قول مالك إنه كان استثناؤه بجلده فما تحت الجلد مغيب وإن كان لم
يستثنه بجلده فإنه لا يدري بأي صفة يخرج له بعد كشط الجلد عنه. ووجه قول
ابن حبيب أنه استثنى عضوا معينا معلوما، فلم يضره ما عليه من الجلد أصله
شراء الحب في سنبله والجوز في قشره. وأما إن كان المستثنى من الحيوان
بشرط الذبح إما عرفا وإما ملفوطا به جزءا مقدرا مثل أرطال من جزور، فعن
مالك في ذلك روايتان: إحداهما المنع، وهي رواية ابن وهب؛ والثانية
الإجازة في الأرطال اليسيرة فقط، وهي رواية ابن القاسم. وأجمعوا من هذا
الباب على جواز بيع الرجل ثمر حائطه واستثناء نخلات معينات منه قياسا على
جواز شرائها. واتفقوا على أنه لا يجوز أن يستثنى من حائط له عدة نخلات
غير معينات إلا بتعيين المشتري لها بعد البيع، لأنه بيع ما لم يره
المتبايعان. واختلفوا في الرجل يبيع الحائط ويستثني منه عدة نخلات بعد
البيع، فمنعه الجمهور لمكان اختلاف صفة النخيل؛ وروي عن مالك إجازته؛ ومنع
ابن القاسم قوله في النخلات وأجازه في استثناء الغنم. وكذلك اختلف قول
مالك وابن القاسم في شراء نخلات معدودة من حائطه على أن يعينها بعد الشراء
المشتري فأجازه مالك ومنعه ابن القاسم. وكذلك اختلفوا إذا استثنى البائع
مكيله من حائط؛ قال أبو عمر بن عبد البر: فمنع ذلك فقهاء الأمصار الذين
تدور الفتوى عليهم، وألفت الكتاب على مذاهبهم لنهيه صلى الله عليه وسلم عن
الثنيا في البيع، لأنه استثناء مكيل من جزاف؛ وأما مالك وسلفه من أهل المدينة فإنهم أجازوا
ذلك فيما دون الثلث ومنعوه فيما فوقه، وحملوا النهي على الثنيا على ما فوق
الثلث، وشبهوا بيع ما عدا المستثنى ببيع الصبرة التي لا يعلم مبلغ كيلها
فتباع جزافا ويستثنى منها كيل ما، وهذا الأصل أيضا مختلف فيه، أعني إذا
استثنى منها كيل معلوم. واختلف العلماء من هذا الباب في بيع وإجارة معا
في عقد واحد، فأجازه مالك وأصحابه، ولم يجزه الكوفيون ولا الشافعي، لأن
الثمن يرون أنه يكون حينئذ مجهولا، ومالك يقول: إذا كانت الإجارة معلومة
لم يكن الثمن مجهولا، وربما رآه الذين منعوه من باب بيعتين في بيعة.
وأجمعوا على أنه لا يجوز السلف أو البيع كما قلنا. واختلف قول مالك في
إجازة السلف والشركة، فمرة أجاز ذلك ومرة منعه، وهذه كلها اختلف العلماء
فيها لاختلافها بالأقل والأكثر في وجود علل المنع فيها المنصوص عليها، فمن
قويت عنده علة المنع في مسألة منها منعها، ومن لم تقو عنده أجازها، وذلك
راجع إلى ذوق المجتهد، لأن هذه المواد يتجاذب القول فيها إلى الضدين على
السواء عند النظر فيها، ولعل في أمثال هذه المواد يكون القول بتصويب كل
مجتهد صوابا، ولهذا ذهب بعض العلماء في أمثال هذه المسائل إلى التخيير.
-والمسموع من هذا الباب ما يثبت من نهيه صلى
الله عليه وسلم عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن أن يسوم أحد على سوم
أخيه، ونهيه عن تلقي الركبان، ونهيه عن أن يبيع حاضر لباد، ونهيه عن النجش.
وقد اختلف العلماء في تفصيل معاني هذه الآثار اختلافا ليس بمتباعد، فقال
مالك: معنى قوله عليه الصلاة والسلام "لا يبع بعضكم على بيع بعض"
ومعنى نهيه عن أن يسوم أحد على سوم أخيه واحد، وهي في الحالة التي إذا ركن
البائع فيها إلى السائم ولم يبق بينهما إلا شيء يسير مثل اختيار الذهب أو
اشتراط العيوب أو البراءة منها، وبمثل تفسير مالك فسر أبو حنيفة هذا
الحديث. وقال الثوري معنى "لا يبع بعضكم على بيع بعض" أن لا يطرأ رجل
آخر على المتبايعين فيقول عندي خير من هذه السلعة ولم يحد وقت ركون ولا
غيره. وقال الشافعي: معنى ذلك إذا تم البيع باللسان ولم يفترقا فأتى
أحد يعرض عليه سلعة له هي خير منها، وهذا بناء على مذهبه في أن البيع إنما
يلزم بالإفتراق فهو ومالك متفقان على أن النهي إنما يتناول حالة قرب لزوم
البيع، ومختلفان في هذه الحالة ما هي لاختلافهما فيما به يكون اللزوم في
البيع على ما سنذكره بعد، وفقهاء الأمصار على أن هذا البيع يكره، وإن وقع
مضى لأنه سوم على بيع لم يتم؛ وقال داود وأصحابه: إن وقع فسخ في أي حالة
وقع تمسكا بالعموم؛ وروي عن مالك وعن بعض أصحابه فسخه ما لم يفت؛ وأنكر ابن
الماجشون ذلك في البيع فقال: وإنما قال بذلك مالك في النكاح، وقد تقدم
ذلك. واختلفوا في دخول الذمي في النهي عن سوم أحد على سوم غيره، فقال
الجمهور: لا فرق في ذلك بين الذمي وغيره؛ وقال الأوزاعي: لابأس بالسوم
على سوم الذمي لأنه ليس بأخي المسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم "لا يسم
أحد على سوم أخيه" ومن ههنا منع قوم بيع المزايدة وإن كان الجمهور على
جوازه. وسبب الخلاف بينهم هل يحمل هذا النهي على الكراهة أو على الحظر،
ثم إذا حمل على الحظر فهل يحمل على جميع الأحوال، أو في حالة دون
حالة؟. - - - -وذلك إنما ورد في الشرع في وقت وجوب المشي إلى
الجمعة فقط لقوله تعالى - -والعقد لا يصح إلا بألفاظ البيع والشراء التي
صيغتها ماضية مثل أن يقول البائع: قد بعت منك، ويقول المشتري: قد
اشتريت منك، وإذا قال له بعني سلعتك بكذا وكذا فقال قد بعتها. فعند مالك
أن البيع قد وقع وقد لزم المستفهم إلا أن يأتي في ذلك بعذر، وعند الشافعي
أنه لا يتم حتى يقول المشتري قد اشتريت، وكذلك إذا قال المشتري للبائع:
بكم تبيع سلعتك؟ فيقول المشتري بكذا وكذا، فقال: قد اشتريت منك.
اختلف هل يلزم البيع أم لا حتى يقول قد بعتها منك، وعند الشافعي أنه يقع
البيع بالألفاظ الصريحة وبالكناية، ولا أذكر لمالك في ذلك قولا، ولا يكفي
عند الشافعي المعاطاة دون قول، ولا خلاف فيما أحسب أن الإيجاب والقبول
المؤثرين في اللزوم لا يتراخى أحدهما عن الثاني حتى يفترق المجلس، أعني أنه
متى قال للبائع قد بعت سلعتي بكذا وكذا فسكت المشتري ولم يقبل حتى افترقا
ثم أتى بعد ذلك فقال: قد قبلت أنه لا يلزم ذلك البائع. واختلفوا متى
يكون اللزوم. فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وطائفة من أهل المدينة:
إن البيع يلزم في المجلس بالقول وإن لم يفترقا؛ وقال الشافعي وأحمد وإسحاق
وأبو ثور وداود وابن عمر من الصحابة رضي الله عنهم: البيع لازم بالافتراق
من المجلس وأنهما مهما لم يفترقا، فليس يلزم البيع ولا ينعقد، وهو قول ابن
أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة وابن المبارك وسوار القاضي وشريح القاضي
وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو مروي عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي من
الصحابة ولا مخالف لهما من الصحابة وعمدة المشترطين لخيار المجلس حديث مالك
عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "المتبايعان كل
واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار" وفي بعض
روايات هذا الحديث "إلا أن يقول أحدهما لصاحبه اختر" وهذا حديث إسناده
عند الجميع من أوثق الأسانيد وأصحها، حتى لقد زعم أبو محمد أن مثل هذا
الإسناد يوقع العلم وإن كان من طريق الآحاد. وأما المخالفون فقد اضطرب
بهم وجه الدليل لمذهبهم في رد العمل بهذا الحديث. فالذي اعتمد عليه مالك
رحمه الله في رد العمل به أنه لم يلف عمل أهل المدينة عليه مع أنه قد عارضه
عنده ما رواه من منقطع حديث ابن مسعود أنه قال: "أيما بيعين تبايعا
فالقول قول البائع أو يترادان" فكأنه حمل هذا على عمومه، وذلك يقتضي أن
يكون في المجلس وبعد المجلس، ولو كان المجلس شرطا في انعقاد البيع لم يكن
يحتاج فيه إلى تبيين حكم الاختلاف في المجلس لأن البيع بعد لم ينعقد ولا
لزم بل الافتراق من المجلس، وهذا الحديث منقطع ولا يعارض به الأول، وبخاصة
أنه لا يعارضه إلا من توهم العموم فيه، والأولى أن ينبني هذا على ذلك، وهذا
الحديث لم يخرجه أحد مسندا فيما أحسب، فهذا هو الذي اعتمده مالك رحمه الله
في ترك العمل بهذا الحديث. وأما أصحاب مالك فاعتمدوا في ذلك على ظواهر
سمعية، وعلى القياس، فمن أظهر الظاهر في ذلك قوله عز وجل -( -( ( -والأصل في وجود الرد بالعيب قوله تعالى -أما العقود التي يجب فيها العيب حكم بلا خلاف،
فهي العقود التي المقصود منها المعاوضة، كما أن العقود التي ليس المقصود
منها المعاوضة لا خلاف أيضا في أنه لا تأثير للعيب فيها، كالهبات لغير
الثواب والصدقة؛ وأما ما بين هذين الصنفين من العقود، أعني ما جمع قصد
المكارمة والمعاوضة مثل هبة الثواب، فالأظهر في المذهب أنه لا حكم فيها
بوجود العيب، وقد قيل يحكم به إذا كان العيب مفسدا. -وفي هذا الفصل نظران: أحدهما: في العيوب
التي توجب الحكم. والنظر الثاني في الشرط الموجب له. -(النظر الأول) فأما العيوب التي توجب
الحكم: فمنها عيوب في النفس؛ ومنها عيوب في البدن، وهذه منها ما هي عيوب
بأن تشترط أضدادها في المبيع وهي التي تسمى عيوبا من قبل الشرط؛ ومنها ما
هي عيوب توجب الحكم وإن لم يشترط وجود أضدادها في المبيع، وهذه هي التي
فقدها نقص في أصل الخلقة؛ وأما العيوب الأخر فهي التي أضدادها كمالات، وليس
فقدها نقصا مثل الصنائع، وأكثر ما يوجد هذا الصنف في أحوال النفس، وقد يوجد
في أحوال الجسم. والعيوب الجسمانية، منها ما هي في أجسام ذوات الأنفس،
ومنها ما هي في غير ذوات الأنفس. والعيوب التي لها تأثير في العقد هي عند
الجميع ما نقص عن الخلقة الطبيعية أو عن الخلق الشرعي نقصانا له تأثير في
ثمن المبيع، وذلك يختلف بحسب اختلاف الأزمان والعوائد والأشخاص، فربما كان
النقص في الخلقة فضيلة في الشرع، كالخفاض في الإماء، والختان في العبيد،
ولتقارب هذه المعاني في شيء شيء مما يتعامل الناس به وقع الخلاف بين
الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر من هذه المسائل ما اشتهر الخلاف فيه بين الفقهاء
ليكون ما يحصل من ذلك في نفس الفقيه يعود كالقانون والدستور الذي يعمل عليه
فيما لم يجد فيه نصا عمن تقدمه، أو فيما لم يقف على نص فيه لغيره، فمن ذلك
وجود الزنى في العبيد. اختلف العلماء فيه؛ فقال مالك والشافعي: هو عيب؛
وقال أبو حنيفة: ليس بعيب وهو نقص في الخلق الشرعي الذي هو العفة؛
والزواج عند مالك عيب، وهو من العيوب العائقة عن الاستعمال، وكذلك الدين،
وذلك أن العيب بالجملة هو ما عاق فعل النفس أو فعل الجسم وهذا العائق قد
يكون في الشيء وقد يكون من خارج؛ وقال الشافعي: ليس الدين ولا الزواج
بعيب فيما أحسب. والحمل في الرائعة عيب عند مالك. وفي كونه عيبا في
الوخش خلاف في المذهب. والتصرية عند مالك والشافعي عيب وهو حقن اللبن في
الثدي أياما حتى يوهم ذلك أن الحيوان ذو لبن غزير، وحجتهم حديث المصراة
المشهور، وهو قوله صلى الله عليه وسلم "لا تصروا الإبل والبقر، فمن فعل
ذلك فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعا من تمر" قالوا:
فأثبت له الخيار بالرد مع التصرية، وذلك دال على كونه عيبا مؤثرا.
قالوا: وأيضا فإنه مدلس، فأشبه التدليس بسائر العيوب. وقال أبو حنيفة
وأصحابه: ليست التصرية عيبا للاتفاق على أن الإنسان إذا اشترى شاة فخرج
لبنها قليلا أن ذلك ليس بعيب. قالوا: وحديث المصراة يجب أن لا يوجب
عملا لمفارقته الأصول، وذلك أنه مفارق للأصول من وجوه: فمنها أنه معارض
لقوله عليه الصلاة والسلام "الخراج بالضمان" وهو أصل متفق عليه؛ ومنها
أن فيه معارضة منع بيع طعام بطعام نسيئة، وذلك لا يجوز باتفاق؛ ومنها أن
الأصل في المتلفات إما القيم وإما المثل، وإعطاء صاع من تمر في لبن ليس
قيمة ولا مثلا ومنها بيع الطعام المجهول: أي الجزاف بالمكيل المعلوم، لأن
اللبن الذي دلس به البائع غير معلوم القدر، وأيضا فإنه يقل ويكثر، والعوض
ههنا محدود، ولكن الواجب أن يستثني هذا من هذه الأصول كلها لموضع صحة
الحديث، وهذا كأنه ليس من هذا الباب وإنما هو حكم خاص. ولكن اطرد إليه
القول فلنرجع إلى حيث كنا نقول: إنه لا خلاف عندهم في العور والعمى وقطع
اليد والرجل أنها عيوب مؤثرة، وكذلك المرض في أي عضو كان، أو كان في جملة
البدن، والشيب في المذهب عيب في الرائعة، وقيل لابأس باليسير منه فيها،
وكذلك الاستحاضة عيب في الرقيق والوخش، وكذلك ارتفاع الحيض عيب في المشهور
من المذهب، والزعر عيب، وأمراض الحواس والأعضاء كلها عيب باتفاق.
وبالجملة فأصل المذهب أن كل ما أثر في القيمة: أعني نقص منها فهو عيب،
والبول في الفراش عيب، وبه قال الشافعي؛ وقال أبو حنيفة: ترد الجارية به،
ولا يرد العبد به، والتأنيث في الذكر والتذكير في الأنثى عيب هذا كله في
المذهب إلا ما ذكرنا فيه الاختلاف. -(النظر الثاني) وأما شرط العيب الموجب
للحكم به فهو أن يكون حادثا قبل أمد التبايع باتفاق أو في العهدة عند من
يقول بها، فيجب ههنا أن نذكر اختلاف الفقهاء في العهدة فنقول: انفرد مالك
بالقول بالعهدة دون سائر فقهاء الأمصار، وسلفه في ذلك أهل المدينة الفقهاء
السبعة وغيرهم، ومعنى العهدة أن كل عيب حدث فيها عند المشتري فهو من
البائع، وهي عند القائلين بها عهدتان: عهدة الثلاثة الأيام، وذلك من جمع
العيوب الحادثة فيها عند المشتري. وعهدة السنة، وهي من العيوب الثلاثة:
الجذام والبرص والجنون، فما حدث في السنة من هذه الثلاث بالمبيع فهو من
البائع، وما حدث من غيرها من العيوب كان من ضمان المشتري على الأصل.
وعهدة الثلاث عند المالكية بالجملة بمنزلة أيام الخيار وأيام الاستبراء
والنفقة فيها والضمان من البائع. وأما عهدة السنة فالنفقة فيها والضمان
من المشتري إلا من الأدواء الثلاثة، وهذه العهدة عند مالك في الرقيق، وهي
أيضا واقعة في أصناف البيوع في كل ما القصد منه المماكسة والمحاكرة وكان
بيعا لا في الذمة، هذا ما لا خلاف فيه في المذهب، واختلف في غير ذلك.
وعهدة السنة تحسب عنده بعد عهدة الثلاث في الأشهر من المذهب، وزمان
المواضعة يتداخل مع عهدة الثلاث إن كان زمان المواضعة أطول من عهدة
الثلاث. وعهدة السنة لا تتداخل مع عهدة الاستبراء، هذا هو الظاهر من
المذهب، وفيه اختلاف. وقال الفقهاء السبعة: لا يتداخل منها عهدة مع
ثانية، فعهدة الاستبراء أولا، ثم عهدة الثلاث، ثم عهدة السنة. واختلف
أيضا عن مالك هل تلزم العهدة في كل البلاد من غير أن يحمل أهلها عليها؟
فروي عنه الوجهان، فإذا قيل لا يلزم أهل هذه البلد إلا أن يكونوا قد حملوا
على ذلك فهل يجب أن يحمل عليها أهل كل بلد أم لا؟ فيه قولان في المذهب،
ولا يلزم النقد في عهدة الثلاث وإن اشترط، ويلزم في عهدة السنة؛ والعلة في
ذلك أنه لم يكمل تسليم البيع فيها للبائع قياسا على بيع الخيار لتردد النقد
فيها بين السلف والبيع، فهذه كلها مشهورات أحكام العهدة في مذهب مالك وهي
كلها فروع مبنية على صحة العهدة، فلنرجع إلى تقرير حجج المثبتين لها
والمبطلين. وأما عمدة مالك رحمه الله في العهدة وحجته التي عول عليها،
فهي عمل أهل المدينة. وأما أصحابه المتأخرون فإنهم احتجوا بما رواه الحسن
عن عقبة ابن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "عهدة الرقيق ثلاثة
أيام" وروي أيضا "لا عهدة بعد أربع" وروى هذا الحديث أيضا الحسن عن
سمرة بن جندب الفزاري رضي الله عنه، وكلا الحديثين عند أهل العلم معلول،
فإنهم اختلفوا في سماع الحسن عن سمرة، وإن كان الترمذي قد صححه وأما سائر
فقهاء الأمصار فلم يصح عندهم في العهدة أثر، ورأوا أنها لو صحت مخالفة
للأصول، وذلك أن المسلمين مجمعون على أن كل مصيبة تنزل بالمبيع قبل قبضه
فهي من المشتري، فالتخصيص لمثل هذا الأصل المتقرر إنما يكون بسماع ثابت،
ولهذا ضعف عند مالك في أحد الروايتين عنه أن يقضي بها في كل بلد إلا أن
يكون ذلك عرفا في البلد أو يشترط وبخاصة عهدة السنة، فإنه لم يأت في ذلك
أثر. وروي عن الشافعي عن ابن جريح قال: سألت ابن شهاب عن عهدة السنة
والثلاث فقال: ما علمت فيها أمرا سالفا. وإذ قد تقرر القول في تمييز
العيوب التي توجب حكما من التي لا توجبه وتقرر الشرط في ذلك، وهو أن يكون
العيب حادثا قبل البيع أو في العهدة عند من يرى العهدة، فلنصر إلى ما
بقي. -وإذا وجدت العيوب، فإن لم يتغير المبيع بشيء
من العيوب عند المشتري فلا يخلو أن يكون في عقار أو عروض أو في حيوان، فإن
كان في حيوان فلا خلاف أن المشتري مخير بين أن يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو
يمسك ولا شيء له. وأما إن كان عقار فمالك يفرق في ذلك بين العيب اليسير
والكثير فيقول: إن كان العيب يسيرا لم يجب الرد، ووجبت قيمة العيب وهو
الأرش، وإن كان كثيرا وجب الرد، هذا هو الموجود المشهور في كتب أصحابه، ولم
يفصل البغداديون هذا التفصيل. وأما العروض فالمشهور في المذهب أنها ليست
في هذا الحكم بمنزلة الأصول، وقد قيل إنها بمنزلة الأصول في المذهب، وهذا
الذي كان يختاره الفقيه أبو بكر بن رزق شيخ جدي رحمة الله عليهما، وكان
يقول: إنه لا فرق في هذا المعنى بين الأصول والعروض، وهذا الذي قاله يلزم
من يفرق بين العيب الكثير والقليل في الأصول: أعني أن يفرق في ذلك أيضا
في العروض، والأصل أن كل ما حط القيمة أنه يجب به الرد، وهو الذي عليه
فقهاء الأمصار، ولذلك لم يعول البغداديون فيما أحسب على التفرقة التي قلت
في الأصول، ولم يختلف قولهم في الحيوان إنه لا فرق فيه بين العيب القليل
والكثير. -(فصل) وإذ قلنا إن المشتري يخير بين أن
يرد المبيع ويأخذ ثمنه أو يمسك ولا شيء له، فإن اتفقا على أن يمسك المشتري
سلعته ويعطيه البائع قيمة العيب، فعامة فقهاء الأمصار يجيزون ذلك، إلا ابن
سريج من أصحاب الشافعي فإنه قال: ليس لهما ذلك لأنه خيار في مال، فلم يكن
له إسقاطه بعوض كخيار الشفعة. قال القاضي عبد الوهاب: وهذا غلط، لأن
ذلك حق للمشتري فله أن يستوفيه: أعني أن يرد ويرجع بالثمن، وله أن يعاوض
على تركه، وما ذكره من خيار الشفعة فإنه شاهد لنا، فإن له عندنا تركه إلى
عوض يأخذه، وهذا لا خلاف فيه. وفي هذا الباب فرعان مشهوران من قبل
التبعيض: أحدهما هل إذا اشترى المشتري أنواعا من المبيعات في صفقة واحدة
فوجد أحدها معيبا، فهل يرجع بالجميع، أو بالذي وجد فيه العيب؟ فقال
قوم: ليس له إلا أن يرد الجميع أو يمسك، وبه قال أبو ثور والأوزاعي، إلا
أن يكون قد سمى ما لكل واحد من تلك الأنواع من القيمة، فإن هذا مما لا خلاف
فيه أنه يرد المبيع بعينه فقط، وإنما الخلاف إذا لم يسم. وقال قوم: يرد
المعيب بحصته من الثمن وذلك بالتقدير، وممن قال بهذا القول سفيان الثوري
وغيره. وروي عن الشافعي القولان معا. وفرق مالك فقال: ينظر في
المعيب، فإن كان ذلك وجه الصفقة والمقصود بالشراء رد الجميع، وإن لم يكن
وجه الصفقة رده بقيمته. وفرق أبو حنيفة تفريقا آخر وقال: إن وجد العيب
قبل القبض رد الجميع، وإن وجده بعد القبض رد المعيب بحصته من الثمن. ففي
هذه المسألة أربعة أقوال. فحجة من منع التبغيض في الرد أن المردود يرجع
فيه بقيمة لم يتفق عليها المشتري والبائع، وكذلك الذي يبقى إنما يبقى بقيمة
لم يتفقا عليها. ويمكن أنه لو بعضت السلعة لم يشتر البعض بالقيمة التي
أقيم بها. وأما حجة من رأى الرد في البعض المعيب ولابد فلأنه موضع ضرورة،
فأقيم فيه التقويم والتقدير مقام الرضا قياسا على أن ما فات في البيع فليس
فيه إلا القيمة. وأما تفريق مالك بين ما هو وجه الصفقة أو غير وجهها
فاستحسان منه، لأنه رأى أن ذلك المعيب إذا لم يكن مقصودا في المبيع فليس
كبير ضرر في أن لا يوافق الثمن الذي أقيم به أراده المشتري أو البائع.
وأما عند ما يكون مقصودا أو جل المبيع فيعظم الضرر في ذلك. واختلف عنه هل
يعتبر تأثير العيب في قيمة الجميع أو في قيمة المعيب خاصة. وأما تفريق
أبي حنيفة بين أن يقبض أو لا يقبض، فإن القبض عنده شرط من شروط تمام البيع،
وما لم يقبض المبيع فضمانه عنده من البائع، وحكم الاستحقاق في هذه المسألة
حكم الرد بالعيب. -(وأما المسألة الثانية) فإنهم اختلفوا
أيضا في رجلين يبتاعان شيئا واحدا في صفقة واحدة فيجدان به عيبا فيريد
أحدهما الرجوع ويأبى الآخر، فقال الشافعي: لمن أراد الرد أن يرد، وهي
رواية ابن القاسم عن مالك، وقيل ليس له أن يرد؛ فمن أوجب الرد شبهه
بالصفقتين المفترقتين، لأنه قد اجتمع فيها عاقدان؛ ومن لم يوجبه شبهه
بالصفقة الواحدة إذا أراد المشتري فيها تبغيض رد المبيع بالعيب. -وأما إن تغير المبيع عند المشتري ولم يعلم
بالعيب إلا بعد تغير المبيع عنده فالحكم في ذلك يختلف عند فقهاء الأمصار
بحسب التغيير. فأما إن تغير بموت أو فساد أو عتق، ففقهاء الأمصار على أنه
فوت، ويرجع المشتري على البائع بقيمة العيب. وقال عطاء بن أبي رباح: لا
يرجع في الموت والعتق بشيء. وكذلك عندهم حكم من اشترى جارية فأولدها.
وكذلك التدبير عندهم، وهو القياس في الكتابة. وأما تغيره في البيع فإنهم
اختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة والشافعي: إذا باعه لم يرجع بشيء، وكذلك قال
الليث. وأما مالك فله في البيع تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يبيعه من
بائعه منه أو من غير بائعه، ولا يخلو أيضا أن يبيعه بمثل الثمن أو أقل أو
أكثر، فإن باعه من بائعه منه بمثل الثمن فلا رجوع له بالعيب. وإن باعه
منه بأقل من الثمن رجع عليه بقيمة العيب، وإن باعه بأكثر من الثمن نظر، فإن
كان البائع الأول مدلسا: أي عالما بالعيب لم يرجع الأول على الثاني بشيء،
وإن لم يكن مدلسا رجع الأول على الثاني في الثمن والثاني على الأول أيضا،
وينفسخ البيعان ويعود المبيع إلى ملك الأول، فإن باعه من عند بائعه منه،
فقال ابن القاسم: لا رجوع له بقيمة العيب، مثل قول أبي حنيفة والشافعي؛
وقال ابن عبد الحكم: له الرجوع بقيمة العيب؛ وقال أشهب: يرجع بالأقل من
قيمة العيب أو بقيمة الثمن، هذا إذا باعه بأقل مما اشتراه، وعلى هذا لا
يرجع إذا باعه بمثل الثمن أو أكثر، وبه قال عثمان البتي. ووجه قول ابن
القاسم والشافعي وأبي حنيفة أنه إذا فات بالبيع فقد أخذ عوضا من غير أن
يعتبر تأثير بالعيب في ذلك العوض الذي هو الثمن، ولذلك متى قام عليه
المشتري منه بعيب رجع على البائع الأول بلا خلاف. ووجه القول الثاني
تشبيهه البيع بالعتق. ووجه قول عثمان وأشهب أنه لو كان عنده المبيع لم
يكن له إلا الإمساك أو الرد للجميع، فإذا باعه فقد أخذ عوض ذلك الثمن، فليس
له إلا ما نقص إلا أن يكون أكثر من قيمة العيب. وقال مالك: إن وهب أو
تصدق رجع بقيمة العيب؛ وقال أبو حنيفة لا يرجع، لأن هبته أو صدقته تفويت
للملك بغير عوض ورضي منه بذلك طلبا للأجر، فيكون رضاه بإسقاط حق العيب أولى
وأحرى بذلك. وأما مالك فقاس الهبة على العتق، وقد كان القياس أن لا يرجع
في شيء من ذلك إذا فات ولم يمكنه الرد، لأن إجماعهم على أنه إذا كان في يده
فليس يجب له إلا الرد أو الإمساك، دليل على أنه ليس للعيب تأثير في إسقاط
شيء من الثمن، وإنما له تأثير في فسخ البيع فقط. وأما العقود التي
يتعاقبها الاسترجاع كالرهن والإجازة فاختلف في ذلك أصحاب مالك، فقال ابن
القاسم: لا يمنع ذلك من الرد بالعيب إذا رجع إليه المبيع؛ وقال أشهب:
إذا لم يكن زمان خروجه عن يده زمانا بعيدا كان له الرد بالعيب، وقول ابن
القاسم أولى، والهبة للثواب عند مالك كالبيع في أنها فوت، فهذه هي الأحوال
التي تطرأ على المبيع من العقود الحادثة فيها وأحكامها. باب في طرو النقصان. -وأما إن طرأ على المبيع نقص فلا يخلو أن يكون
النقص في قيمته أو في البدن أو في النفس. فأما نقصان القيمة لاختلاف
الأسواق، فغير مؤثر في الرد بالعيب بإجماع. وأما النقصان الحادث في
البدن، فإن كان يسيرا غير مؤثر في القيمة فلا تأثير له في الرد بالعيب،
وحكمه حكم الذي لم يحدث، وهذا نص مذهب مالك وغيره. وأما النقص الحادث في البدن المؤثر في القيمة،
فاختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال: أحدها أنه ليس له أن يرجع إلا بقيمة العيب فقط
وليس له غير ذلك إذا أبى البائع من الرد، وبه قال الشافعي في قوله الجديد
وأبو حنيفة. وقال الثوري: ليس له إلا أن يرد، ويرد مقدار
العيب الذي حدث عنده، وهو قول الشافعي الأول. والقول الثالث قول مالك: إن المشتري بالخيار
بين أن يمسك ويضع عنه البائع من الثمن قدر العيب أو يرده على البائع ويعطيه
ثمن العيب الذي حدث عنده، وأنه إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع
للمشتري: أنا أقبض المبيع وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك، وقال
المشتري: بل أنا أمسك المبيع، وتعطي أنت قيمة العيب الذي حدث عندك،
فالقول قول المشتري والخيار له، وقد قيل في المذهب القول قول البائع، وهذا
إنما يصح على قول من يرى أنه ليس للمشتري إلا أن يمسك أو يرد وما نقص عنده.
وشذ أبو محمد بن حزم فقال: له أن يرد ولا شيء عليه. وأما حجة من قال: إنه ليس للمشتري إلا أن يرد
ويرد قيمة العيب، أو يمسك، فلأنه قد أجمعوا على أنه إذا لم يحدث بالمبيع
عيب عند المشتري فليس إلا الرد، فوجب استصحاب حال هذا الحكم، وإن حدث عند
المشتري عيب مع إعطائه قيمة العيب الذي حدث عنده. وأما من رأى أنه لا يرد المبيع بشيء وإنما له
قيمة العيب الذي كان عند البائع، فقياسا على العتق والموت لكون هذا الأصل
غير مجمع عليه، وقد خالف فيه عطاء. وأما مالك فلما تعارض عنده حق البائع وحق
المشتري غلب المشتري وجعل له الخيار، لأن البائع لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يكون مفرطا في أنه لم يستعلم العيب ويعلم به المشتري، أو يكون علمه
فدلس به على المشتري. وعند مالك أنه إذا صح أنه دلس بالعيب وجب عليه الرد
من غير أن يدفع إليه المشتري قيمة العيب الذي حدث عنده، فإن مات من ذلك
العيب كان ضمانه على البائع بخلاف الذي لم يثبت أنه دلس فيه. وأما حجة أبي محمد، فلأنه أمر حدث من عند الله
كما لو حدث في ملك البائع، فإن الرد بالعيب دال على أن البيع لم ينعقد في
نفسه، وإنما انعقد في الظاهر، وأيضا فلا كتاب ولا سنة يوجب على مكلف غرم ما
لم يكن له تأثير في نقصه إلا أن يكون على جهة التغليظ عند من ضمن الغاصب ما
نقص عنده بأمر من الله، فهذا حكم العيوب الحادثة في البدن. وأما العيوب التي في النفس كالإباق والسرقة،
فقد قيل في المذهب إنها تُفِيتُ [أي يفوت بها استطاعة الرد] الرد كعيوب
الأبدان، وقيل لا، ولا خلاف أن العيب الحادث عند المشتري إذا ارتفع بعد
حدوثه أنه لا تأثير له في الرد إلا أن لا تؤمن عاقبته. واختلفوا من هذا
الباب في المشتري يطأ الجارية، فقال قوم: إذا وطئ فليس له الرد وله
الرجوع بقيمة العيب، وسواء كانت بكرا أو ثيبا؛ وبه قال أبو حنيفة؛ وقال
الشافعي: يرد قيمة الوطء في البكر ولا يردها في الثيب؛ وقال قوم: بل
يردها ويرد مهر مثلها، وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى؛ وقال سفيان
الثوري: إن كانت ثيبا رد نصف العشر من ثمنها، وإن كانت بكرا رد العشر من
ثمنها؛ وقال مالك: ليس عليه في وطء الثيب شيء لأنه غلة وجبت له بالضمان.
وأما البكر فهو عيب يثبت عنده للمشتري الخيار على ما سلف من رأيه، وقد روي
مثل هذا القول عن الشافعي؛ وقال عثمان البتي: الوطء معتبر في العرف في
ذلك النوع من الرقيق، فإن كان له أثر في القيمة رد البائع ما نقص، وإن لم
يكن له أثر لم يلزمه شيء، فهذا هو حكم النقصان الحادث في المبيعات. وأما الزيادة الحادثة في المبيع: أعني
المتولدة المنفصلة منه، فاختلف العلماء فيها، فذهب الشافعي إلى أنها غير
مؤثرة في الرد وأنها للمشتري لعموم قوله عليه الصلاة والسلام "الخراج
بالضمان". وأما مالك فاستثنى من ذلك الولد فقال: يرد للبائع، وليس
للمشتري إلا الرد الزائد مع الأصل أو الإمساك. قال أبو حنيفة: الزوائد
كلها تمنع الرد وتوجب أرش العيب إلا الغلة والكسب. وحجته أن ما تولد عن
المبيع داخل في العقد، فلما لم يكن رده ورد ما تولد عنه كان ذلك فوتا يقتضي
أرش العيب إلا ما نصصه الشرع من الخراج والغلة. وأما الزيادة الحادثة في
نفس المبيع الغير المنفصلة عنه فإنها إن كانت مثل الصبغ في الثوب والرقم
فإنها توجب الخيار في المذهب، إما الإمساك والرجوع بقيمة العيب، وإما في
الرد وكونه شريكا مع البائع بقيمة الزيادة. وأما النماء في البدن مثل
السمن فقد قيل في المذهب يثبت به الخيار للمشتري، وقيل لا يثبت، وكذلك
النقص الذي هو الهزال، فهذا هو القول في حكم التغيير. -وأما صفة الحكم في القضاء بهذه الأحكام فإنه
إذا تقار البائع والمشتري على حالة من هذه الأحوال المذكورة ههنا وجب الحكم
الخاص بتلك الحال، فإن أنكر البائع دعوى القائم، فلا يخلو أن ينكر وجود
العيب أو ينكر حدوثه عنده. فإن أنكر وجود العيب بالمبيع فإن كان العيب
يستوي في إدراكه جميع الناس كفى في ذلك شاهدان عدلان ممن اتفق من الناس،
وإن كان مما يختص بعلمه أهل صناعة ما، شهد به أهل تلك الصناعة، فقيل في
المذهب عدلان. وقيل لا يشترط في ذلك العدالة ولا العدد ولا الإسلام،
وكذلك الحال إن اختلفوا في كونه مؤثرا في القيمة، وفي كونه أيضا قبل أمد
التبايع أو بعده، فإن لم يكن للمشتري بينة حلف البائع أنه ما حدث عنده، وإن
لم تكن له بينة (لعله وإن كانت له بينة) على وجود العيب بالمبيع لم يجب
له يمين على البائع. وأما إذا وجب الأرش فوجه الحكم في ذلك أن يقوم الشيء
سليما ويقوم معيبا ويرد المشتري ما بين ذلك، فإن وجب الخيار قوم ثلاث
تقويمات: تقويم وهو سليم، وتقويم بالعيب الحادث عند البائع، وتقويم
بالعيب الحادث عند المشتري، فيرد البائع من الثمن ويسقط عنه ما قدر منه قدر
ما تنقص به القيمة المعيبة عن القيمة السليمة، وإن أبى المشتري الرد وأحب
الإمساك رد البائع من الثمن ما بين القيمة الصحيحة والمعيبة عنده. -اختلف العلماء في جواز هذا البيع. وصورته أن
يشترط البائع على المشتري التزام كل عيب يجده في المبيع على العموم، فقال
أبو حنيفة: يجوز البيع بالبراءة من كل عيب سواء علمه البائع أو لم يعلمه،
سماه أو لم يسميه، أبصره أو لم يبصره، وبه قال أبو ثور. وقال الشافعي في
أشهر قوليه وهو المنصور عند أصحابه لا يبرأ البائع إلا من عيب يريه
للمشتري، وبه قال الثوري. وأما مالك فالأشهر عنه أن البراءة جائزة مما
يعلم البائع من العيوب، وذلك في الرقيق خاصة، إلا البراءة من الحمل في
الجواري الرائعات، فإنه لا يجوز عنده لعظم الغرر فيه، ويجوز في الوخش.
وعنه في رواية ثانية: أنه يجوز في الرقيق والحيوان. وفي رواية ثالثة
مثل قول الشافعي. وقد روي عنه أن بيع البراءة إنما يصح من السلطان فقط،
وقيل في بيع السلطان وبيع المواريث، وذلك من غير أن يشترطوا البراءة.
وحجة من رأى القول بالبراءة على الاطلاق أن القيام بالعيب حق من حقوق
المشتري قبل البائع، فإذا أسقطه سقط أصله سائر الحقوق الواجبة. وحجة من
لم يجزه على الاطلاق أن ذلك من باب الغرر فيما لم يعلمه البائع، ومن باب
الغبن والغش فيما علمه، ولذلك اشترط جهل البائع مالك. وبالجملة فعمدة
مالك ما رواه في الموطأ أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم
وباعه على البراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم
تسمه، فاختصما إلى عثمان، فقال الرجل: باعني عبدا وبه داء لم يسمه لي،
وقال عبد الله: بعته بالبراءة، فقضى عثمان على عبد الله أن يحلف لقد باع
العبد وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد. وروي أيضا
أن زيد بن ثابت كان يجيز بيع البراءة. وإنما خص مالك بذلك الرقيق لكون
عيوبهم في الأكثر خافية. وبالجملة خيار الرد بالعيب حق ثابت للمشتري،
ولما كان ذلك يختلف اختلافا كثيرا كاختلاف المبيعات في صفاتها وجب إذا
اتفقا على الجهل به أن لا يجوز أصله إذا اتفقا على جهل صفة المبيع المؤثرة
في الثمن، ولذلك حكى ابن القاسم في المدونة عن مالك أن آخر قوله كان إنكار
بيع البراءة إلا ما خفف فيه السلطان، وفي قضاء الديون خاصة. وذهب المغيرة
من أصحاب مالك إلى أن البراءة إنما تجوز فيما كان من العيوب لا يتجاوز فيها
ثلث المبيع، والبراءة بالجملة إنما تلزم عند القائلين بالشرط: أعني إذا
اشترطها إلا بيع السلطان والمواريث عند مالك فقط. فالكلام بالجملة في بيع
البراءة هو في جوازه وفي شرط جوازه، وفيما يجوز من العقود والمبيعات
والعيوب، ولمن يجوز بالشرط أو مطلقا، وهذه كلها قد تقدمت بالقوة في قولنا
فاعلمه. -اختلف العلماء في وضع الجوائح في الثمار، فقال
بالقضاء بها مالك وأصحابه، ومنعها أبو حنيفة والثوري والشافعي في قوله
الجديد والليث. فعمدة من قال بوضعها حديث جابر أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال "من باع ثمرا فأصابته جائحة فلا يأخذ من أخيه شيئا، على
ماذا يأخذ أحدكم مال أخيه؟" خرجه مسلم عن جابر. وما روي عنه أنه قال
"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح". فعمدة من أجاز
الجوائح حديثا جابر هذان، وقياس الشبه أيضا، وذلك أنهم قالوا: إنه مبيع
بقي على البائع فيه حق توفية، بدليل ما عليه من سقيه إلى أن يكمل، فوجب أن
يكون ضمانه منه أصله سائر المبيعات التي بقي فيها حق توفية، والفرق عندهم
بين هذا المبيع وبين سائر البيوع أن هذا بيع وقع في الشرع والمبيع لم يكمل
بعد، فكأنه مستثنى من النهي عن بيع ما لم يخلق، فوجب أن يكون في ضمانه
مخالفا لسائر المبيعات. وأما عمدة من لم يقل بالقضاء بها فتشبيه هذا
البيع بسائر المبيعات وأن التخلية في هذا المبيع هو القبض. وقد اتفقوا
على أن ضمان المبيعات بعد القبض من المشتري ومن طريق السماع أيضا حديث أبي
سعيد الخدري قال "أجيح رجل في ثمار ابتاعها وكثر دينه، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ وفاء دينه، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك"
قالوا: فلم يحكم بالجائحة. فسبب الخلاف في هذه المسألة هو تعارض الآثار
فيهما وتعارض مقاييس الشبه، وقد رام كل واحد من الفريقين صرف الحديث
المعارض للحديث الذي هو الأصل عنده بالتأويل، فقال من منع الجائحة: يشبه
أن يكون الأمر بها إنما ورد من قبل النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها،
قالوا: ويشهد لذلك أنه لما كثر شكواهم بالجوائح أمروا أن لا يبيعوا الثمر
إلا بعد أن يبدو صلاحه، وذلك في حديث زيد بن ثابت المشهور، وقال من أجازها
في حديث أبي سعيد: يمكن أن يكون البائع عديما فلم يقض عليه بجائحة أو أن
يكون المقدار الذي أصيب من الثمر مقدارا لا يلزم فيه جائحة، أو أن يكون
أصيب في غير الوقت الذي تجب فيه الجائحة، مثل أن يصاب بعد الجذاذ أو بعد
الطيب. وأما الشافعي فروى حديث جابر عن سليمان بن عتيق عن جابر، وكان
يضعفه ويقول: إنه اضطرب في ذكر وضع الجوائح فيه ولكنه قال: إن ثبت
الحديث وجب وضعها في القليل والكثير، ولا خلاف بينهم في القضاء بالجائحة
بالعطش، وقد جعل القائلون بها اتفاقهم في هذا حجة على إثباتها. والكلام في أصول الجوائح على مذهب مالك ينحصر
في أربعة فصول: الأول: في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح. الثاني:
في محل الجوائح من المبيعات. الثالث: في مقدار ما يوضع منه فيه.
الرابع: في الوقت الذي توضع فيه. الفصل الأول في معرفة الأسباب الفاعلة للجوائح.
-وأما ما أصاب الثمرة من السماء مثل البرد
والقحط وضده والعفن، فلا خلاف في المذهب أنه جائحة. وأما العطش كما قلنا
فلا خلاف بين الجميع أنه جائحة. وأما ما أصاب من صنع الآدميين فبعض من
أصحاب مالك رآه جائحة وبعض لم يره جائحة. والذين رأوه جائحة انقسموا إلى
قسمين: فبعضهم رأى منه جائحة ما كان غالبا كالجيش ولم ير ما كان منه
بمغافصة (غافصة: أخذه على غرة) جائحة مثل السرقة، وبعضهم جعل كل ما
يصيب الثمرة من جهة الآدميين جائحة بأي وجه كان، فمن جعلها في الأمور
السماوية فقط اعتمد ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام "أرأيت إن منع الله
الثمرة؟" ومن جعلها في أفعال الآدميين شبهها بالأمور السماوية، ومن
استثنى اللص قال: يمكن أن يتحفظ منه. الفصل الثاني في محل الجوائح من المبيعات.
-ومحل الجوائح هي الثمار والبقول. فأما
الثمار فلا خلاف فيها في المذهب، وأما البقول ففيها خلاف، والأشهر فيها
الجائحة. وإنما اختلفوا في البقول لاختلافهم في تشبيهها بالأصل الذي هو
الثمر. الفصل الثالث في مقدار ما يوضع منه فيه. -وأما المقدار الذي تجب فيه الجائحة، أما في
الثمار فالثلث، وأما في البقول فقيل في القليل والكثير، وقيل في الثلث،
وابن القاسم يعتبر ثلث الثمر بالكيل وأشهب يعتبر الثلث في القيمة، فإذا ذهب
من الثمر عند أشهب ما قيمته الثلث من الكيل وضع عنه الثلث من الثمن، وسواء
كان ثلثا في الكيل أو لم يكن. وأما ابن القاسم فإنه إذا ذهب من الثمر
الثلث من الكيل، فإن كان نوعا واحدا ليس تختلف قيمة بطونه حط عنه من الثمن
الثلث، وإن كان الثمر أنواعا كثيرة مختلفة القيم، أو كان بطونا مختلفة
القيم أيضا اعتبر قيمة ذلك الثلث الذاهب من قيمة الجميع، فما كان قدره حط
بذلك القدر من الثمن، ففي موضع يعتبر المكيلة فقط، حيث تستوي القيمة في
أجزاء الثمرة وبطونها وفي موضع يعتبر أمرين جميعا حيث تختلف القيمة،
والمالكية يحتجون في مصيرهم إلى التقدير في وضع الجوائح وإن كان الحديث
الوارد فيها مطلقا بأن القليل في هذا معلوم من حكم العادة أنه يخالف الكثير
إذ كان معلوما أن القليل يذهب من كل ثمر، فكأن المشتري دخل على هذا الشرط
بالعادة وإن لم يدخل بالنطق، وأيضا فإن الجائحة التي علق الحكم بها تقتضي
الفرق بين القليل والكثير. قالوا: وإذا وجب الفرق وجب أن يعتبر فيه
الثلث، إذ قد اعتبره الشرع في مواضع كثيرة، وإن كان المذهب يضطرب في هذا
الأصل، فمرة يجعل الثلث من حيز الكثير كجعله إياه ههنا، ومرة يجعله في حيز
القليل ولم يضطرب في أنه الفرق بين القليل والكثير، والمقدارات يعسر
إثباتها بالقياس عند جمهور الفقهاء، ولذلك قال الشافعي: لو قلت بالجائحة
لقلت فيها بالقليل والكثير، وكون الثلث فرقا بين القليل والكثير هو نص في
الوصية في قوله عليه الصلاة والسلام "الثلث، والثلث كثير". الفصل الرابع في الوقت الذي توضع فيه. -وأما زمان القضاء بالجائحة، فاتفق المذهب على
وجوبها في الزمان الذي يحتاج فيه إلى تبقية الثمر على رءوس الشجر حيث
يستوفي طيبه. واختلفوا إذا أبقاه المشتري في الثمار ليبيعه على النضارة
وشيئا شيئا، فقيل فيه الجائحة تشبيها بالزمان المتفق عليه، وقيل ليس فيه
جائحة تفريقا بينه وبين الزمان المتفق على وجوب القضاء بالجائحة فيه، وذلك
أن هذا الزمان يشبه الزمان المتفق عليه من جهة ويخالفه من جهة؛ فمن غلب
الاتفاق أوجب فيه الجائحة؛ ومن غلب الاختلاف لم يوجب فيه جائحة، أعني من
رأى أن النضارة مطلوبة بالشراء كما الطيب مطلوب قال: بوجوب الجائحة فيه؛
ومن لم ير الأمر فيهما واحدا قال: ليس فيه جائحة، ومن ههنا اختلفوا في
وجوب الجوائح في البقول. -(المسألة الثانية) وهي اختلافهم في بيع
مال العبد، وذلك أنهم اختلفوا في مال العبد هل يتبعه في البيع والعتق؟
على ثلاثة أقوال: أحدها أن ماله في البيع والعتق لسيده، وكذلك في
المكاتب، وبه قال الشافعي والكوفيون. والثاني أن ماله تبع له في البيع
والعتق، وهو قول داود وأبي ثور. والثالث أنه تبع له في العتق لا في البيع
إلا أن يشترطه المشتري، وبه قال مالك والليث. فحجة من رأى أن ماله في
البيع لسيده إلا أن يشترطه المبتاع حديث ابن عمر المشهور عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال "من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه
المبتاع" ومن جعله لسيده في العتق فقياسا على البيع. وحجة من رأى أنه
تبع للعبد في كل حال انبنت على كون العبد مالكا عندهم وهي مسألة اختلف
العلماء فيها اختلافا كثيرا: أعني هل يملك العبد أو لا يملك؟ ويشبه أن
يكون هؤلاء إنما غلبوا القياس على السماع، لأن حديث ابن عمر هو حديث خالف
فيه نافع سالما، لأن نافعا رواه عن ابن عمر وسالم رواه عن ابن عمر عن النبي
صلى الله عليه وسلم. وأما مالك فغلب القياس في العتق والسماع في البيع.
وقال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال
العبد فهو له نقدا كان أو عرضا أو دينا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال "من أعتق غلاما فماله له إلا أن يستثنيه سيده" ويجوز عند
مالك أن يشتري العبد وماله بدراهم، وإن كان مال العبد دراهم أو فيه
دراهم. وخالفه أبو حنيفة والشافعي إذا كان مال العبد نقدا، وقالوا:
العبد وماله بمنزلة من باع شيئين لا يجوز فيهما إلا ما يجوز في سائر
البيوع. واختلف أصحاب مالك في اشتراط المشتري لبعض مال العبد في صفقة
البيع، فقال ابن القاسم: لا يجوز، وقال أشهب: جائز أن يشترط بعضه، وفرق
بعضهم فقال: إن كان ما اشترى به العبد عينا وفي مال العبد عين لم يجز ذلك
لأنه يدخله دراهم بعرض ودراهم، وإن كان ما اشترى به عروضا أو لم يكن في مال
العبد دراهم جاز. ووجه قول ابن القاسم إنه لا يجوز أن يشترط بعض تشبيهه
بثمر النخل بعد الإبار. ووجه قول أشهب تشبيه الجزء بالكل، وفي هذا الباب
مسائل مسكوت عنها كثيرة ليست مما قصدناه. ومن مشهور مسائلهم في هذا الباب
الزيادة والنقصان اللذان يقعان في الثمن الذي انعقد عليه البيع بعد البيع
بما يرضى به المتبايعان، أعني أن يزيد المشتري البائع بعد البيع على الثمن
الذي انعقد عليه البيع أو يحط منه البائع، هل يتبع حكم الثمن أم لا؟
وفائدة الفرق أن من قال هي من الثمن أوجب ردها في الاستحقاق وفي الرد
بالعيب وما أشبه ذلك، وأيضا من جعلها في حكم الثمن الأول إن كانت فاسدة
البيع، ومن لم يجعلها من الثمن: أعني الزيادة لم يوجب شيئا من هذا، فذهب
أبو حنيفة إلى أنها من الثمن إلا أنه قال لا تثبت الزيادة في حق الشفيع ولا
في بيع المرابحة، بل الحكم للثمن الأول، وبه قال مالك؛ وقال الشافعي: لا
تلحق الزيادة والنقصان بالثمن أصلا وهو في حكم الهبة، واستدل من ألحق
الزيادة بالثمن بقوله عز وجل -(القسم الرابع من النظر المشترك في
البيوع) وهو النظر في حكم البيع الفاسد إذا وقع، فنقول: اتفق العلماء
على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت بإحداث عقد فيها أو نماء أو نقصان
أو حوالة سوق أن حكمها الرد أعني أن يرد البائع الثمن والمشتري المثمون.
واختلفوا إذا قبضت وتصرف فيها بعتق أو هبة أو بيع أو رهن أو غير ذلك من
سائر التصرفات هل ذلك فوت يوجب القيمة، وكذلك إذا نمت أو نقصت فقال
الشافعي: ليس ذلك كله فوتا ولا شبهة ملك في البيع الفاسد وأن الواجب
الرد، وقال مالك: كل ذلك فوت يوجب القيمة إلا ما روى عنه ابن وهب في
الربا أنه ليس بفوت، ومثل ذلك قال أبو حنيفة. والبيوع الفاسدة عند مالك
تنقسم إلى محرمة وإلى مكروهة. فأما المحرمة فإنها إذا فاتت مضت
بالقيمة. وأما المكروهة فإنها إذا فاتت صحت عنده، وربما صح عنده بعض
البيوع الفاسدة بالقبض لخفة الكراهة عنده في ذلك، فالشافعية تشبه المبيع
الفاسد لمكان الربا والغرر بالفاسد لمكان تحريم عينه كبيع الخمر والخنزير
فليس عندهم فيه فوت، ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم
العدل فيها، أعني بيوع الربا والغرر، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو
الرجوع بالقيمة، لأنه قد تقبض السلعة وهي تساوي ألفا وترد وهي تساوي
خمسمائة أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتا في المبيع الفاسد،
ومالك يرى في البيع والسلف أنه إذا فات وكان البائع هو المسلف رد المشتري
القيمة ما لم تكن أزيد من الثمن، لأن المشتري قد رفع له في الثمن لمكان
السلف فليس من العدل أن يرد أكثر من ذلك، وإن كان المشتري هو الذي أسلف
البائع فقد حط البائع عنه من الثمن لمكان السلف، فإذا وجبت على المشتري
القيمة ردها ما لم تكن أقل من الثمن، لأن هذه البيوع إنما وقع المنع فيها
لمكان ما جعل فيها من العوض مقابل السلف الذي هو موضوع لعون الناس بعضهم
لبعض، ومالك في هذه المسألة أفقه من الجميع. واختلفوا إذا ترك الشرط قبل
القبض: أعني شرط السلف، هل يصح البيع أم لا؟ فقال أبو حنيفة والشافعي
وسائر العلماء: البيع مفسوخ؛ وقال مالك وأصحابه: البيع غير مفسوخ إلا
ابن عبد الحكم قال: البيع مفسوخ. وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور.
وحجة الجمهور أن النهي يتضمن فساد المنهي فإذا انعقد البيع فاسدا لم يصححه
بعد رفع الشرط الذي من قبله وقع الفساد، كما أن رفع السبب المفسد في
المحسوسات بعد فساد الشيء ليس يقتضي عودة الشيء إلى ما كان عليه قبل الفساد
من الوجود فاعلمه. وروي أن محمد بن أحمد بن سهل البرمكي سأل عن هذه
المسألة إسماعيل بن إسحاق المالكي فقال له: ما الفرق بين السلف والبيع
وبين رجل باع غلاما بمائة دينار وزق خمر، فلما انعقد البيع بينهما قال:
أنا أدع الزق، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع، فوجب أن يكون بيع
السلف كذلك، فجاوب عن ذلك بجواب لا تقوم به حجة، وقد تقدم القول في ذلك.
وإذ قد انقضى القول في أصول البيوع الفاسدة وأصول البيوع الصحيحة، وفي أصول
أحكام البيوع الصحيحة، وأصول الأحكام الفاسدة المشتركة العامة لجميع البيوع
أو لكثير منها فلنصر إلى ما يخص واحدا واحدا من هذه الأربعة الأجناس، وذلك
بأن نذكر منها ما يجري مجرى الأصول. |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||