الرقية الشرعية

الرقية | القرآن شفاء | مساعدات العلاج | السيرة الذاتية | للاتصال | الأهداف

 

 

 

 كتاب بيع الخيار.‏

-والنظر في أصول هذا الباب، أما أولا فهل يجوز أم لا‏؟‏ وإن جاز، فكم مدة الخيار‏؟‏ وهل يشترط النقدية فيه أم لا‏؟‏ وممن ضمان المبيع في مدة الخيار‏؟‏ وهل يورث الخيار أم لا‏؟‏ ومن يصح خياره ممن لا يصح‏؟‏ وما يكون من الأفعال خيارا كالقول‏؟‏‏.‏ أما جواز الخيار فعليه الجمهور، إلا الثوري وابن أبي شبرمة وطائفة من أهل الظاهر‏.‏ وعمدة الجمهور حديث حبان بن منقذ وفيه ‏"‏ولك الخيار ثلاثا‏"‏ وما روي في حديث ابن عمر ‏"‏البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار‏"‏‏.‏ وعمدة من منعه أنه غرر وأن الأصل هو اللزوم في البيع إلا أن يقوم دليل على جواز البيع على الخيار من كتاب الله أو سنة ثابتة أو إجماع‏.‏ قالوا‏:‏ وحديث حبان إما أنه ليس بصحيح، وإما أنه خاص لما شكي إليه صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع‏.‏ قالوا‏:‏ وأما حديث ابن عمر وقوله فيه ‏"‏إلا بيع الخيار‏"‏ فقد فسر المعنى المراد بهذا اللفظ، وهو ما ورد فيه من لفظ آخر وهو ‏"‏أن يقول أحدهما لصاحبه اختر‏"‏ وأما مدة الخيار عند الذين قالوا بجوازه فرأى مالك أن ذلك ليس له قدر محدود في نفسه وأنه إنما يتقدر بتقدير الحاجة إلى اختلاف المبيعات، وذلك يتفاوت بتفاوت المبيعات فقال‏:‏ مثل اليوم واليومين في اختيار الثوب، والجمعة والخمسة أيام في اختيار الجارية، والشهر ونحوه في اختيار الدار‏.‏ وبالجملة فلا يجوز عنده الأجل الطويل الذي فيه فضل عن اختيار المبيع‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ أجل الخيار ثلاثة أيام لا يجوز أكثر من ذلك‏.‏ وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن يجوز الخيار لأي مدة اشترطت، وبه قال داود‏.‏ واختلفوا في الخيار المطلق دون المقيد بمدة معلومة، فقال الثوري والحسن ابن جني وجماعة بجواز اشتراط الخيار مطلقا ويكون له الخيار أبدا، وقال مالك‏:‏ يجوز الخيار المطلق ولكن السلطان يضرب فيه أجل مثله‏.‏ وقال أبو حنيفة والشافعي لا يجوز بحال الخيار المطلق ويفسد البيع‏.‏ واختلف أبو حنيفة والشافعي إن وقع الخيار في الثلاثة الأيام زمن الخيار المطلق، فقال أبو حنيفة‏:‏ إن وقع في الثلاثة الأيام جاز، وإن مضت الثلاثة فسد البيع؛ وقال الشافعي‏:‏ بل هو فاسد على كل حال، فهذه هي أقاويل فقهاء الأمصار في مدة الخيار، وهي هل يجوز مطلقا أو مقيدا‏؟‏ وإن جاز مقيدا فكم مقداره‏؟‏ وإن لم يجز مطلقا فهل من شرط ذلك أن لا يقع الخيار في الثلاث أم لا يجوز بحال‏؟‏ وإن وقع في الثلاث‏.‏

فأما أدلتهم فإن عمدة من لم يجز الخيار هو ما قلناه‏.‏ وأما عمدة من لم يجز الخيار إلا ثلاثا فهو أن الأصل هو أن لا يجوز الخيار فلا يجوز منه إلا ما ورد فيه النص في حديث منقذ بن حبان أو حبان بن منقذ، وذلك كسائر الرخص المستثناة من الأصول مثل استثناء العرايا من المزابنة وغير ذلك‏.‏ قالوا‏:‏ وقد جاء تحديد الخيار بالثلاث في حديث المصراة وهو قوله ‏"‏من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام‏"‏ وأما حديث منقذ، فأشبه طرقه المتصلة ما رواه محمد ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمنقذ وكان يخدع في البيع ‏"‏إذا بعت فقل لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثا‏"‏‏.‏ وأما عمدة أصحاب مالك، فهو أن المفهوم من الخيار هو اختيار المبيع، وإذا كان ذلك كذلك وجب أن يكون ذلك محدودا بزمان إمكان اختيار المبيع، وذلك يختلف بحسب مبيع مبيع، فكأن النص إنما ورد عندهم تنبيها على هذا المعنى، وهو عندهم من باب الخاص أريد به العام، وعند الطائفة الأولى من باب الخاص أريد به الخاص‏.‏

وأما اشتراط النقد فإنه لا يجوز عند مالك وجميع أصحابه لتردده عندهم بين السلف والبيع، وفيه ضعف‏.‏ وأما ممن ضمان المبيع في مدة الخيار فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك وأصحابه والليث والأوزاعي‏:‏ مصيبته من البائع والمشتري أمين، وسواء كان الخيار لهما أو لأحدهما؛ وقد قيل في المذهب إنه إن كان هلك بيد البائع فلا خلاف في ضمانه إياه، وإن كان هلك بيد المشتري فالحكم كالحكم في الرهن والعارية إن كان مما يغاب عليه فضمانه منه، وإن كان مما لا يغاب عليه فضمانه من البائع‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان شرط الخيار لكليهما أو للبائع وحده فضمانه من البائع والمبيع على ملكه، وأما إن كان شرطه المشتري وحده فقد خرج المبيع عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، وبقي معلقا حتى ينقضي الخيار، وقد قيل عنه إن على المشتري الثمن، وهذا يدل على أنه دخل عنده في ملك المشتري‏.‏

وللشافعي قولان‏:‏ أشهرهما أن الضمان من المشتري لأيهما كان الخيار‏.‏ فعمدة من رأى أن الضمان من البائع على كل حال أنه عقد غير لازم، فلم ينتقل الملك عن البائع كما لو قال بعتك ولم يقل المشتري قبلت‏.‏ وعمدة من رأى أنه من المشتري تشبيهه بالبيع اللازم وهو ضعيف لقياسه موضع الخلاف على موضع الاتفاق‏.‏ وأما من جعل الضمان لمشترط الخيار إذا شرطه أحدهما ولم يشترطه الثاني فلأنه إن كان البائع هو المشترط فالخيار له إبقاء للمبيع على ملكه، وإن كان المشتري هو المشترط له فقط فقد صرفه البائع من ملكه وأبانه فوجب أن يدخل في ملك المشتري إذا كان المشتري هو الذي شرطه فقط قال‏:‏ قد خرج عن ملك البائع لأنه لم يشترط خيارا ولم يلزم أن يدخل في ملك المشتري لأنه شرط الخيار في رد الآخر له، ولكن هذا القول يمانع الحكم، فإنه لابد أن تكون مصيبته من أحدهما، والخلاف آيل إلى هل الخيار مشترط لإيقاع الفسخ في البيع أو لتتميم البيع، فإذا قلنا لفسخ البيع فقد خرج من ضمان البائع، وإن قلنا لتتميمه فهو في ضمانه‏.‏

-‏(‏وأما المسألة الخامسة‏)‏ وهي هل يورث خيار المبيع أم لا‏؟‏ فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا‏:‏ يورث، وإنه إذا مات صاحب الخيار فلورثته من الخيار مثل ما كان له؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يبطل الخيار بموت من له الخيار ويتم البيع، وهكذا عنده خيار الشفعة وخيار قبول الوصية وخيار الإقالة‏.‏ وسلم لهم أبو حنيفة خيار الرد بالعيب‏:‏ أعني أنه قال يورث، وكذلك خيار استحقاق الغنيمة قبل القسم وخيار القصاص وخيار الرهن‏.‏ وسلم لهم مالك خيار رد الأب ما وهبه لابنه، أعني أنه لم ير لورثة الميت من الخيار في رد ما وهبه لابنه ما جعل له الشرع من ذلك‏:‏ أعني للأب، وكذلك خيار الكتابة والطلاق واللعان‏.‏ ومعنى خيار الطلاق أن يقول الرجل لرجل آخر طلق امرأتي متى شئت، فيموت الرجل المجعول له الخيار، فإن ورثته لا يتنزلون منزلته عند مالك‏.‏ وسلم الشافعي ما سلمت المالكية للحنفية من هذه الخيارات، وسلم زائدا خيار الإقالة والقبول فقال‏:‏ لا يورثان‏.‏ وعمدة المالكية والشافعية أن الأصل هو أن تورث الحقوق والأموال إلا ما قام دليل على مفارقة الحق في هذا المعنى للمال‏.‏ وعمدة الحنفية أن الأصل هو أن يورث المال دون الحقوق إلا ما قام دليله من إلحاق الحقوق بالأموال، فموضع الخلاف هل الأصل هو أن تورث الحقوق كالأموال أم لا‏؟‏ وكل واحد من الفريقين يشبه من هذا ما لم يسلمه له خصمه منها بما يسلمه منها له ويحتج على خصمه؛ فالمالكية والشافعية تحتج على أبي حنيفة بتسلميه وراثة خيار الرد بالعيب، ويشبه سائر الخيارات التي يورثها به؛ والحنفية تحتج أيضا على المالكية والشافعية بما تمنع من ذلك، وكل واحد منهم يروم أن يعطي فارقا فيما يختلف فيه قوله ومشابها فيما يتفق فيه قوله، ويروم في قوله خصمه بالضد، أعني أن يعطي فارقا فيما يضعه الخصم متفقا، ويعطي اتفاقا فيما يضعه الخصم متباينا، ومثل ما تقول المالكية‏:‏ إنما قلنا إن خيار الأب في رد هبته لا يورث، لأن ذلك خيار راجع إلى صفة في الأب لا توجد في غيره وهي الأبوة، فوجب أن لا تورث لا إلى صفة في العقد‏.‏ وهذا هو سبب اختلافهم في خيار خيار، أعني أنه من انقدح له في شيء منها أنه صفة للعقد ورثه، ومن انقدح له أنه صفة خاصة بذي الخيار لم يورثه‏.‏

-‏(‏وأما المسألة السادسة‏)‏ وهي من يصح خياره فإنهم اتفقوا على صحة خيار المتبايعين، واختلفوا في اشتراط خيار الأجنبي، فقال مالك‏:‏ يجوز ذلك والبيع صحيح؛ وقال الشافعي في أحد قوليه‏:‏ لا يجوز إلا أن يوكله الذي جعل له الخيار ولا يجوز الخيار عنده على هذا القول لغير العاقد، وهو قول أحمد؛ وللشافعي قول آخر مثل قول مالك، وبقول مالك قال أبو حنيفة؛ واتفق المذهب على أن الخيار للأجنبي إذا جعله له المتبايعان، وأن قوله لهما‏.‏ واختلف المذهب إذا جعله أحدهما فاختلف البائع ومن جعل له البائع الخيار أو المشتري ومن جعل له المشتري الخيار، فقيل القول في الإمضاء، والرد قول الأجنبي سواء اشترط خياره البائع أو المشتري، وقال عكس هذا القول من جعل خياره هنا كالمشورة، وقيل بالفرق بين البائع والمشتري‏:‏ أي أن القول في الإمضاء والرد قول البائع دون الأجنبي، وقول الأجنبي دون المشتري إن كان المشتري هو المشترط الخيار؛ وقيل القول قول من أراد منهما الإمضاء، وإن أراد البائع الإمضاء، وأراد الأجنبي الذي اشترط خياره الرد ووافقه المشتري، فالقول قول البائع في الإمضاء، وإن أراد البائع الرد وأراد الأجنبي الإمضاء ووافقه المشتري فالقول قول المشتري؛ وكذلك إن اشتراط الخيار للأجنبي المشتري، فالقول فيهما قول من أراد الإمضاء، وكذلك الحال في المشتري؛ وقيل بالفرق في هذا بين البائع والمشتري‏:‏ أي إن اشترطه البائع فالقول قول من أراد الإمضاء منهما، وإن اشترطه المشتري فالقول قول الأجنبي، وهو ظاهر ما في المدونة، وهذا كله ضعيف‏.‏ واختلفوا فيمن اشترط من الخيار ما لا يجوز، مثل أن يشترط أجلا مجهولا وخيارا فوق الثلاث عند من لا يجوز الخيار فوق الثلاث، أو خيار رجل بعيد الموضع بعينه‏:‏ أعني أجنبيا، فقال مالك والشافعي‏:‏ لا يصح البيع وإن أسقط الشرط الفاسد؛ وقال أبو حنيفة‏:‏ يصح البيع مع إسقاط الشرط الفاسد، فأصل الخلاف هل الفساد الواقع في البيع من قبل الشرط يتعدى إلى العقد أم لا يتعدى، وإنما هو في الشرط فقط‏؟‏ فمن قال يتعدى أبطل البيع وإن أسقطه؛ ومن قال لا يتعدى قال‏:‏ البيع يصح إذا أسقط الشرط الفاسد لأنه يبقى العقد صحيحا‏

 

 

 


Copyright, 2003 - 2008 contact: mekkaoui Corporation. All rights reserved