|
|||||||||||||||||||||||||
|
-والنظر في التدبير: في أركانه، وفي
أحكامه. أما الأركان فهي أربعة: المعنى، واللفظ، والمدبِر، والمدبَر.
وأما الأحكام فصنفان: أحكام العقد، وأحكام المدبر. -( - فأما مماذا يخرج المدبر إذا مات المدبر، فإن
العلماء اختلفوا في ذلك؟ فذهب الجمهور إلى أنه يخرج من الثلث؛ وقالت
طائفة: هو من رأس المال معظمهم أهل الظاهر؛ فمن رأى أنه من الثلث شبهه
بالوصية، لأنه حكم يقع بعد الموت. وقد روي حديث عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال "المدبر من الثلث" إلا أنه أثر ضعيف عند أهل الحديث، لأنه
رواه علي بن طيبان عن نافع عن عبد الله بن عمر، وعلي بن طيبان متروك الحديث
عند أهل الحديث. ومن رآه من رأس المال شبهه بالشيء يخرجه الإنسان من ماله
في حياته فأشبه الهبة. واختلف القائلون بأنه من الثلث في فروع، وهو إذا
دبر الرجل غلاما له في صحته، وأعتق في مرضه الذي مات عنه غلاما آخر فضاق
الثلث عن الجمع بينهما؛ فقال مالك: يقدم المدبر لأنه كان في الصحة؛ وقال
الشافعي: يقدم المعتق المبتل، لأنه لا يجوز له رده، ومن أصله أنه يجوز
عنده رد التدبير، وهذه المسألة هي أحق بكتاب الوصايا. فأشهر مسألة فيه هي هل للمدبر أن يبيع المدبر
أم لا؟ فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة: ليس للسيد أن يبيع
مدبره؛ وقال الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور: له أن يرجع فيبيع
مدبره؛ وقال الأوزاعي: لا يباع إلا من رجل يريد عتقه. واختلف أبو حنيفة
ومالك من هذه المسألة في فروع وهو إذا بيع فأعتقه المشتري، فقال مالك:
ينفذ العتق؛ وقال أبو حنيفة والكوفيون البيع مفسوخ سواء أعتقه المشتري أو
لم يعتقه وهو أقيس من جهة أنه ممنوع عبادة. فعمدة من أجاز بيعه ما ثبت من
حديث جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم باع مدبرا" وربما شبهوه
بالوصية. وأما عمدة المالكية فعموم قوله تعالى فأما ما يتبعه في التدبير مما لا يتبعه، فإن
مسائلهم المشهورة في هذا الباب اختلافهم في ولد المدبرة الذين تلدهم بعد
تدبير سيدها من نكاح أو زنى، فقال الجمهور: ولدها بعد تدبيرها بمنزلتها
يعتقون بعتقها ويرقون برقها: وقال الشافعي في قوله المختار عند أصحابه
إنهم لا يعتقون بعتقها. وأجمعوا على أنه إذا أعتقها سيدها في حياته أنهم
يعتقون بعتقها. وعمدة الشافعية أنهم إذا لم يعتقوا في العتق المنجز فأحرى
أن لا يعتقوا في العتق المؤجل بالشرط. واحتج أيضا بإجماعهم على أن الموصي
لها بالعتق لا يدخل فيه بنوها؛ والجمهور رأوا أن التدبير حرمة ما، فأوجبوا
اتباع الولد تشبيها بالكتابة، وقول الجمهور مروي عن عثمان وابن مسعود وابن
عمر، وقول الشافعي مروي عن عمر ابن عبد العزيز وعطاء بن أبي رباح ومكحول.
وتحصيل مذهب مالك في هذا أن كل امرأة فولدها تبع لها، إن كانت حرة فحرة،
وإن كانت مكاتبة فمكاتب وإن كانت مدبرة فمدبر، أو معتقة إلى أجل فمعتق إلى
أجل، وكذلك أم الولد ولدها بمنزلتها، وخالف في ذلك أهل الظاهر، وكذلك
المعتق بعضه عند مالك. وأجمع العلماء على أن كل ولد من تزويج فهو تابع
لأمه في الرق والحرية وما بينهما من العقود المفضية إلى الحرية إلا ما
اختلفوا فيه من التدبير ومن أمة زوجها عربي. وأجمعوا على أن كل ولد من
ملك يمين أنه تابع لأبيه، إن حرا فحرا، وإن عبدا فعبدا، وإن مكاتبا
فمكاتبا. واختلفوا في المدبر إذا تسرى فولد له فقال مالك: حكمه حكم
الأب: يعني أنه المدبر؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: ليس يتبعه ولده في
التدبير. وعمدة مالك الإجماع على أن الولد من ملك اليمين تابع للأب ما
عدا المدبر، وهو من باب قياس موضع الخلاف على موضع الإجماع. وعمدة
الشافعية أن ولد المدبر مال من ماله، ومال المدبر للسيد انتزاعه منه وليس
يسلم له أنه مال من ماله، ويتبعه في الحرية ماله عند مالك. وأما النظر في تبعيض التدبير فقد قلنا فيمن دبر
له حظا في عبده دون أن يدبر شريكه ونقله إلى هذا الموضع أولا، فلينقل
إليه. وأما من دبر جزءا من عبد هو له كله، فإنه يقضي عليه بتدبير الكل،
قياسا على من بعض العتق عند مالك. - فمن هذا الباب اختلافهم في إبطال الدين
للتدبير؛ فقال مالك والشافعي: الدين يبطله؛ وقال أبو حنيفة: ليس يبطله
ويسعى في الدين، وسواء كان الدين مستغرقا للقيمة أو لبعضها. ومن هذا
الباب اختلافهم في النصراني يدبر عبدا له نصرانيا، فيسلم العبد قبل موت
سيده، فقال الشافعي: يباع عليه ساعة يسلم ويبطل تدبيره؛ وقال مالك:
يحال بينه وبين سيده ويخارج على سيده النصراني، ولا يباع عليه حتى يبين أمر
سيده، فإن مات عتق المدبر ما لم يكن عليه دين يحيط بماله؛ وقال الكوفيون:
إذا أسلم مدبر النصراني قوِّم وسعى العبد في قيمته، ومدبر الصحة يقدم عند
مالك على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنهما. |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||