الرقية الشرعية

الرقية | القرآن شفاء | مساعدات العلاج | السيرة الذاتية | للاتصال | الأهداف

 

 

 

(‏بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما‏)‏‏.‏

 كتاب الجراح‏.‏

-والجراح صنفان‏:‏ منها ما فيه القصاص أو الدية أو العفو‏.‏ ومنها ما فيه الدية أو العفو‏.‏ ولنبدأ بما فيه القصاص، والنظر أيضا ها هنا في شروط الجارح والجرح الذي به يحق القصاص والمجروح، وفي الحكم الواجب الذي هو القصاص، وفي بدله إن كان له بدل‏.‏

 القول في الجارح‏.‏

-ويشترط في الجارح أن يكون مكلفا كما يشترط ذلك في القاتل، وهو أن يكون بالغا عاقلا، والبلوغ يكون بالاحتلام والسن بلا خلاف، وإن كان الخلاف في مقداره، فأقصاه ثمانية عشر سنة، وأقله خمسة عشر سنة، وبه قال الشافعي، ولا خلاف أن الواحد إذا قطع عضو إنسان واحد اقتص منه إذا كان مما فيه القصاص‏.‏ واختلفوا إذا قطعت جماعة عضوا واحدا، فقال أهل الظاهر‏:‏ لا تقطع يدان في يد؛ وقال مالك والشافعي‏:‏ تقطع الأيدي باليد الواحدة، كما تقتل عندهم الأنفس بالنفس الواحدة؛ وفرقت الحنفية بين النفس والأطراف، فقالوا‏:‏ لا تقطع أعضاء بعضو، وتقتل أنفس بنفس، وعندهم أن الأطراف تتبعض، وإزهاق النفس لا يتبعض‏.‏ واختلف في الإنبات، فقال الشافعي‏:‏ هو بلوغ بإطلاق‏.‏ واختلف المذهب فيه في الحدود، هل هو بلوغ فيها أم لا‏؟‏ والأصل في هذا كله حديث بني قريظة ‏"‏أنه صلى الله عليه وسلم قتل منهم من أنبت وجرت عليه المواسي‏"‏ كما أن الأصل في السن حديث ابن عمر أنه عرضه يوم الخندق وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يقبله وقبله يوم أحد وهو ابن خمس عشرة سنة‏.‏

 القول في المجروح‏.‏

-وأما المجروح فإنه يشترط فيه أن يكون دمه مكافئا لدم الجارح والذي يؤثر في التكافؤ العبودية والكفر‏.‏ أما العبد والحر فإنهم اختلفوا في وقوع القصاص بينهما في الجرح كاختلافهم في النفس؛ فمنهم من رأى أنه لا يقتص من الحر للعبد، ويقتص للحر من العبد كالحال في النفس؛ ومنهم من رأى أنه يقتص لكل واحد منهما من كل واحد، ولم يفرق بين الجرح والنفس؛ ومنهم من فرق فقال‏:‏ يقتص من الأعلى للأدنى في النفس والجرح؛ ومنهم من قال‏:‏ يقتص من النفس دون الجرح، وعن مالك الروايتان‏.‏ والصواب كما يقتص من النفس أن يقتص من الجرح، فهذه هي حال العبيد مع الأحرار‏.‏ وأما حال العبيد بعضهم مع بعض، فإن للعلماء فيهم ثلاثة أقوال‏:‏ أحدها أن القصاص بينهم في النفس وما دونها، وهو قول الشافعي وجماعة، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وهو قول مالك‏.‏ والقول الثاني أنه لا قصاص بينهم لا في النفس ولا في الجرح وأنهم كالبهائم، وهو قول الحسن وابن شبرمة وجماعة‏.‏ والثالث أن القصاص بينهم في النفس دون ما دونها، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وروي ذلك عن ابن مسعود‏.‏ وعمدة الفريق الأول قوله تعالى ‏{‏والعبد بالعبد‏}‏ ‏.‏ وعمدة الحنفية ما روي عن عمران بن الحصين ‏"‏أن عبدا لقوم فقراء قطع أذن عبد لقوم أغنياء، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقتص منه‏"‏ فهذا هو حكم النفس‏.‏

 القول في الجرح‏.‏

-وأما الجرح فإنه يشترط فيه أن يكون على وجه العمد، أعني الجرح الذي يجب فيه القصاص، والجرح لا يخلو أن يكون يتلف جارحة من جوارح المجروح أو لا يتلف، فإن كان مما يتلف جارحة فالعمد فيه هو أن يقصد ضربه على وجه الغضب بما يجرح غالبا‏.‏ وأما إن جرحه على وجه اللعب أو اللعب بما لا يجرح به غالبا أو على وجه الأدب، فيشبه أن يكون فيه الخلاف الذي يقع في القتل الذي يتولد عن الضرب في اللعب والأدب بما لا يقتل غالبا، فإن أبا حنيفة يعتبر الآلة حتى يقول إن القاتل بالمثقل لا يقتل وهو شذوذ منه، أعني بالخلاف هل فيه القصاص أو الدية إن كان الجرح مما فيه الدية‏.‏ وأما إن كان الجرح قد أتلف جارحة من جوارح المجروح، فمن شرط القصاص فيه العمد أيضا بلا خلاف، وفي تمييز العمد منه من غير العمد خلاف‏.‏ أما إذا ضربه على العضو نفسه فقطعه وضربه بآلة تقطع العضو غالبا، أو ضربه على وجه النائرة فلا خلاف أن فيه القصاص‏.‏ وأما إن ضربه بلطمة أو سوط أو ما أشبه ذلك مما الظاهر منه أنه لم يقصد إتلاف العضو مثل أن يلطمه فيفقأ عينه، فالذي عليه الجمهور أنه شبه العمد ولا قصاص فيه، وفيه الدية مغلظة في ماله وهي رواية العراقيين عن مالك، والمشهور في المذهب أن ذلك عمد وفيه القصاص إلا في الأب مع ابنه؛ وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى أن شبه العمد إنما هو في النفس لا في الجرح‏.‏ وأما إن جرحه فأتلف عضوا على وجه اللعب ففيه قولان‏:‏ أحدهما وجوب القصاص، والثاني نفيه‏.‏ وما يجب على هذين القولين ففيه القولان قبل الدية مغلظة، وقيل دية الخطأ، أعني فيما فيه دية، وكذلك إذا كان على وجه الأدب ففيه الخلاف‏.‏ وأما ما يجب في جراح العمد إذا وقعت على الشروط التي ذكرناها فهو القصاص لقوله تعالى ‏{‏والجروح قصاص‏}‏ وذلك فيما أمكن القصاص فيه منها، وفيما وجد منه محل القصاص ولم يخش منه تلف النفس، وإنما صاروا لهذا لما روي ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع القود في المأمومة والمنقلة والجائفة‏"‏ فرأى مالك ومن قال بقوله أن هذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف، مثل كسر عظم الرقبة والصلب والصدر والفخذ وما أشبه ذلك‏.‏ وقد اختلف قول مالك في المنقلة، فمرة قال بالقصاص، ومرة قال بالدية؛ وكذلك الأمر عند مالك فيما لا يمكن فيه التساوي في القصاص مثل الاقتصاص من ذهاب بعض النظر أو بعض السمع، ويمنع القصاص أيضا عند مالك عدم المثل مثل أن يفقأ أعمى عين بصير‏.‏ واختلفوا من هذا في الأعور يفقأ عين الصحيح عمدا، فقال الجمهور‏:‏ إن أحب الصحيح أن يستقيد منه فله القود، واختلفوا إذا عفا عن القود، فقال قوم‏:‏ إن أحب فله الدية كاملة ألف دينار، وهو مذهب مالك، وقيل ليس له إلا نصف الدية، وبه قال الشافعي، وهو أيضا منقول عن مالك، ويقول الشافعي قال ابن القاسم، وبالقول الآخر قال المغيرة من أصحابه وابن دينار‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ ليس للصحيح الذي فقئت عينه إلا القود أو ما اصطلحا عليه؛ وقد قيل لا يستقيد من الأعور وعليه الدية كاملة، روي هذا عن ابن المسيب وعن عثمان‏.‏ وعمدة صاحب هذا القول أن عين الأعور بمنزلة عينين، فمن فقأها في واحدة فكأنه اقتص من اثنين في واحدة، وإلى نحو هذا ذهب من رأى أنه إذا ترك القود أنه له دية كاملة، ويلزم حامل هذا القول أن لا يستقيد ضرورة؛ ومن قال بالقود وجعل الدية نصف الدية فهو أحرز لأصله، فتأمله فإنه بين بنفسه والله أعلم‏.‏ وأما هل المجروح مخير بين القصاص وأخذ الدية، أم ليس له إلا القصاص فقط إلا أن يصطلحا على أخذ الدية ففيه القولان عن مالك مثل القولين في القتل، وكذلك أحد قولي مالك في الأعور يفقأ عين الصحيح‏:‏ أن الصحيح يخير بين أن يفقأ عين الأعور أو يأخذ الدية ألف دينار أو خمسمائة على الاختلاف في ذلك‏.‏

وأما متى يستقاد من الجرح‏؟‏ فعند مالك أنه لا يستقاد من جرح إلا بعد اندماله، وعند الشافعي على الفور؛ فالشافعي تمسك بالظاهر، ومالك رأى أن يعتبر ما يئول إليه أمر الجرح مخافة أن يفضي إلى إتلاف النفس‏.‏ واختلف العلماء في المقتص من الجرح يموت المقتص من ذلك الجرح، فقال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد لا شيء على المقتص، وروي عن علي وعمر مثل ذلك، وبه قال أحمد وأبو ثور وداود؛ وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة‏:‏ إذا مات وجب على عاقلة المقتص الدية؛ وقال بعضهم‏:‏ هي في ماله‏.‏ وقال عثمان البتي‏:‏ يسقط عنه من الدية قدر الجراحة التي اقتص منها، وهو قول ابن مسعود‏.‏ فعمدة الفريق الأول إجماعهم على أن السارق إذا مات من قطع يده أنه لا شيء على الذي قطع يده‏.‏ وعمدة أبي حنيفة أنه قتل خطأ وجبت فيه الدية؛ ولا يقاد عند مالك في الحر الشديد ولا البرد الشديد، ويؤخر ذلك مخافة أن يموت المقاد منه؛ وقد قيل إن المكان شرط في جواز القصاص وهو غير الحرم، فهذا هو حكم العمد في الجنايات على النفس وفي الجنايات على أعضاء البدن، وينبغي أن نصير إلى حكم الخطأ في ذلك، ونبتدئ بحكم الخطأ في النفس‏.‏

 

 

 


Copyright, 2003 - 2008 contact: mekkaoui Corporation. All rights reserved