|
|||||||||||||||||||||||||
|
(بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه وسلم تسليما). -وأصول هذا الكتاب تنحصر في ستة أبواب: أحدها:
في معرفة من يجوز قضاؤه. والثاني: في معرفة ما يقضي به. والثالث في
معرفة ما يقضي فيه. والرابع: في معرفة من يقضي عليه أو له. والخامس:
في كيفية القضاء. والسادس: في وقت القضاء. -والنظر في هذا الباب فيمن يجوز قضاؤه، وفيما
يكون به أفضل. فأما الصفات المشترطة في الجواز: فأن يكون حرا مسلما
بالغا ذكرا عاقلا عدلا. وقد قيل في المذهب إن الفسق يوجب العزل ويمضي ما
حكم به. واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد؛ فقال الشافعي: يجب أن يكون
من أهل الاجتهاد ومثله حكى عبد الوهاب عن المذهب؛ وقال أبو حنيفة: يجوز
حكم العامي. قال القاضي: وهو ظاهر ما حكاه جدي رحمة الله عليه في
المقدمات عن المذهب لأنه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبة. وكذلك
اختلفوا في اشتراط الذكورة؛ فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم؛ وقال أبو
حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضيا في الأموال؛ قال الطبري: يجوز أن
تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء؛ قال عبد الوهاب: ولا أعلم
بينهم اختلافا في اشتراط الحرية؛ فمن رد قضاء المرأة شبهه بقضاء الإمامة
الكبرى، وقاسها أيضا على العبد لنقصان حرمتها؛ ومن أجاز حكمها في الأموال
فتشبيها بجواز شهادتها في الأموال؛ ومن رأى حكمها نافذا في كل شيء قال:
إن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمه جائز إلا ما خصصه
الإجماع من الإمامة الكبرى. وأما اشتراط الحرية فلا خلاف فيه، ولا خلاف
في مذهب مالك أن السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته وليس شرطا
في جواز ولايته، وذلك أن من صفات القاضي في المذهب ما هي شرط في الجواز،
فهذا إذا ولي عزل وفسخ جميع ما حكم به ومنها ما هي شرط في الاستمرار وليست
شرطا في الجواز، فهذا إذا ولى القضاء عزل ونفذ ما حكم به إلا أن يكون جورا.
ومن هذا الجنس عندهم هذه الثلاث صفات. ومن شرط القضاء عند مالك أن يكون
واحدا. والشافعي يجيز أن يكون في المصر قاضيان اثنان إذا رسم لكل واحد
منهما ما يحكم فيه، وإن شرط اتفاقهما في كل حكم لم يجز، وإن شرط الاستقلال
لكل واحد منهما فوجهان: الجواز والمنع، قال: وإذا تنازع الخصمان في
اختيار أحدهما وجب أن يقترعا عنده. وأما فضائل القضاء فكثيرة، وقد ذكرها
الناس في كتبهم. وقد اختلفوا في الأمي هل يجوز أن يكون قاضيا؟ والأبين
جوازه لكونه عليه الصلاة والسلام أميا؛ وقال قوم: لا يجوز؛ وعن الشافعي
القولان جميعا، لأنه يحتمل أن يكون ذلك خاصا به لموضع العجز، ولا خلاف في
جواز حكم الإمام الأعظم وتوليته للقاضي شرط في صحة قضائه لا خلاف أعرف فيه.
واختلفوا من هذا الباب في نفوذ حكم من رضيه المتداعيان ممن ليس بوال على
الأحكام، فقال مالك: يجوز؛ وقال الشافعي: في أحد قوليه لا يجوز؛ وقال
أبو حنيفة: يجوز إذا وافق حكمه حكم قاضي البلد. -وأما فيما يحكم، فاتفقوا أن القاضي يحكم في كل
شيء من الحقوق كان حقا لله أو حقا للآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في
هذا المعنى وأنه يعقد الأنكحة ويقدم الأوصياء، وهل يقدم الأئمة في المساجد
الجامعة؟ فيه خلاف، وكذلك هل يستخلف فيه خلاف في المرض والسفر إلا أن
يؤذن له، وليس ينظر في الجباة ولا في غير ذلك من الولاة، وينظر في التحجير
على السفهاء عند من يرى التحجير عليهم. ومن فروع هذا الباب هل ما يحكم
فيه الحاكم تحلة للمحكوم له به، وإن لم يكن في نفسه حلالا، وذلك أنهم
أجمعوا على أن حكم الحاكم الظاهر الذي يعتريه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا،
وذلك في الأموال خاصة لقوله عليه الصلاة والسلام "إنما أنا بشر وإنكم
تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما
أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له
قطعة من النار". واختلفوا في حل عصمة النكاح أو عقده بالظاهر الذي يظن
الحاكم أنه حق وليس بحق، إذ لا تحل حرام، ولا يحرم حلال بظاهر حكم الحاكم
دون أن يكون الباطن كذلك هل يحل ذلك أم لا؟ فقال الجمهور: الأموال
والفروج في ذلك سواء، لا يحل حكم الحاكم منها حراما ولا يحرم حلالا، وذلك
مثل أن يشهد شاهدا زورا في امرأة أجنبية أنها زوجة لرجل أجنبي ليست له
بزوجة؛ فقال الجمهور: لا تحل له وإن أحلها الحاكم بظاهر الحكم؛ وقال أبو
حنيفة وجمهور أصحابه: تحل له. فعمدة الجمهور عموم الحديث المتقدم،
وشبهة أبو حنيفة أن الحكم باللعان ثابت بالشرع، وقد علم أن أحد المتلاعنين
كاذب، واللعان يوجب الفرقة، ويحرم المرأة على زوجها الملاعن لها ويحلها
لغيره، فإن كان هو الكاذب فلم تحرم عليه إلا بحكم الحاكم، وكذلك إن كانت هي
الكاذبة، لأن زناها لا يوجب فرقتها على قول أكثر الفقهاء؛ والجمهور أن
الفرقة ها هنا إنما وقعت عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب. -والقضاء يكون بأربع: بالشهادة، وباليمين،
وبالنكول، وبالإقرار، أو بما تركب من هذه ففي هذا الباب أربعة فصول. -والنظر في الشهود في ثلاثة أشياء: في الصفة،
والجنس، والعدد. فأما عدد الصفات المعتبرة في قبول الشاهد بالجملة فهي
خمسة: العدالة، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ونفي التهمة. وهذه منها
متفق عليها، ومنها مختلف فيها. أما العدالة، فإن المسلمين اتفقوا على
اشتراطها في قبول شهادة الشاهد لقوله تعالى وأما الإسلام فاتفقوا على أنه شرط في القبول،
وأنه لا تجوز شهادة الكافر، إلا ما اختلفوا فيه من جواز ذلك في الوصية في
السفر لقوله تعالى وأما الطائفة الثانية وهم شريح وأبو ثور وداود
فإنهم قالوا: تقبل شهادة الأب لابنه فضلا عمن سواه إذا كان الأب عدلا:
وعمدتهم قوله تعالى وأما شهادة النساء مفردات، أعني النساء دون
الرجال فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال
غالبا مثل الولادة والاستهلال وعيوب النساء. ولا خلاف في شيء من هذا إلا
في الرضاع، فإن أبا حنيفة قال: لا تقبل فيه شهادتهن إلا مع الرجال، لأنه
عنده من حقوق الأبدان التي يطلع عليها الرجال والنساء. والذين قالوا
بجواز شهادتهن مفردات في هذا الجنس اختلفوا في العدد المشترط في ذلك منهن؛
فقال مالك: يكفي في ذلك امرأتان، قيل مع انتشار الأمر، وقيل إن لم ينتشر؛
وقال الشافعي: ليس يكفي في ذلك أقل من أربع، لأن الله عز وجل قد جعل عديل
الشاهد الواحد امرأتين، واشترط الاثنينية؛ وقال قوم: لا يكتفي بذلك أقل
من ثلاث وهو قول لا معنى له؛ وأجاز أبو حنيفة شهادة المرأة فيما بين السرة
والركبة، وأحسب أن الظاهرية أو بعضهم لا يجيزون شهادة النساء مفردات في كل
شيء كما يجيزون شهادتهن مع الرجال في كل شيء وهو الظاهر. وأما شهادة
المرأة الواحدة بالرضاع، فإنهم أيضا اختلفوا فيها لقوله عليه الصلاة
والسلام في المرأة الواحدة التي شهدت بالرضاع "كيف وقد أرضعتكما" وهذا
ظاهره الإنكار، ولذلك لم يختلف قول مالك في أنه مكروه. -وأما الأيمان، فإنهم اتفقوا على أنها تبطل بها
الدعوى عن المدعي عليه إذا لم تكن للمدعي بينة. واختلفوا هل يثبت بها حق
المدعي؛ فقال مالك: يثبت بها حق المدعي في إثبات ما أنكره المدعي عليه
وإبطال ما ثبت عليه من الحقوق إذا ادعى الذي ثبت عليه إسقاطه في الموضع
الذي يكون المدعي أقوى سببا وشبهة من المدعى عليه؛ وقال غيره لا تثبت
للمدعي باليمين دعوى سواء كانت في إسقاط حق عن نفسه قد ثبت عليه، أو إثبات
حق أنكره فيه خصمه. وسبب اختلافهم ترددهم في مفهوم قوله عليه الصلاة
والسلام "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" هل ذلك عام في كل
مدعى عليه ومدع، أم إنما خص المدعي بالبينة والمدعى عليه باليمين، لأن
المدعي في الأكثر هو أضعف شبهة من المدعى عليه والمدعى عليه بخلافه؟ فمن
قال هذا الحكم عام في كل مدع ومدعى عليه ولم يرد بهذا العموم خصوصا قال:
لا يثبت باليمين حق، ولا يسقط به حق ثبت؛ ومن قال إنما خص المدعى عليه بهذا
الحكم من جهة ما هو أقوى شبهة قال: إذا اتفق أن يكون موضع تكون فيه شبهة
المدعي أقوى يكون القول قوله، واحتج هؤلاء بالمواضع التي اتفق الجمهور فيها
على أن القول فيها قول المدعي مع يمينه، مثل دعوى التلف في الوديعة وغير
ذلك إن وجد شيء بهذه الصفة، ولأولئك أن يقولوا: الأصل ما ذكرنا إلا ما
خصصه الاتفاق، وكلهم مجتمعون على أن اليمين التي تسقط الدعوى أو تثبتها هي
اليمين بالله، الذي لا إله إلا هو، وأقاويل فقهاء الأمصار في صفتها
متقاربة؛ وهي عند مالك: بالله الذي لا إله إلا هو، لا يزيد عليها، ويزيد
الشافعي الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية. وأما هل تغلظ بالمكان؟
فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب مالك إلى أنها تغلظ بالمكان وذلك في قدر مخصوص،
وكذلك الشافعي. واختلفوا في القدر، فقال مالك: إن من ادعى عليه بثلاثة
دراهم فصاعدا وجبت عليه اليمين في المسجد الجامع، فإن كان مسجد النبي عليه
الصلاة والسلام، فلا خلاف أنه يحلف على المنبر، وإن كان في غيره من المساجد
ففي ذلك روايتان: إحداهما حيث اتفق من المسجد، والأخرى عند المنبر.
وروى عنه ابن القاسم أنه يحلف فيما له بال في الجامع ولم يحدد؛ وقال
الشافعي: يحلف في المدينة عند المنبر، وفي مكة بين الركن والمقام، وكذلك
عنده في كل بلد يحلف عند المنبر، والنصاب عنده في ذلك عشرون دينارا؛ وقال
داود: يحلف على المنبر في القليل والكثير؛ وقال أبو حنيفة: لا تغلظ
اليمين بالمكان. وسبب الخلاف هل التغليظ الوارد في الحلف على
منبر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم منه وجوب الحلف على المنبر أم لا؟
فمن قال إنه يفهم منه ذلك قال: لأنه لو لم يفهم منه ذلك لم يكن للتغليظ
في ذلك معنى؛ ومن قال للتغليظ معنى غير الحكم بوجوب اليمين على المنبر قال:
لا يجب الحلف على المنبر. والحديث الوارد في التغليظ هو حديث جابر بن عبد
الله الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من حلف على منبري
آثما تبوأ مقعده من النار" واحتج هؤلاء بالعمل فقالوا: هو عمل الخلفاء،
قال الشافعي: لم يزل عليه العمل بالمدينة وبمكة. قالوا: ولو كان
التغليظ لا يفهم منه إيجاب اليمين في الموضع المغلظ لم يكن له فائدة إلا
تجنب اليمين في ذلك الموضع. قالوا: وكما أن التغليظ الوارد في اليمين
مجردا مثل قوله عليه الصلاة والسلام "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم
الله عليه الجنة وأوجب له النار" يفهم منه وجوب القضاء باليمين، وكذلك
التغليظ الوارد في المكان. وقال الفريق الآخر: لا يفهم من التغليظ
باليمين وجوب الحكم باليمين، وإذ لم يفهم من تغليظ اليمين وجوب الحكم
باليمين لم يفهم من تغليظ اليمين بالمكان وجوب اليمين بالمكان وليس فيه
إجماع من الصحابة، والاختلاف فيه مفهوم من قضية زيد بن ثابت؛ وتغلظ بالمكان
عند مالك في القسامة واللعان، وكذلك بالزمان لأنه قال في اللعان أن يكون
بعد صلاة العصر على ما جاء في التغليظ فيمن حلف بعد العصر، وأما القضاء
باليمين مع الشاهد فإنهم اختلفوا فيه؛ فقال مالك والشافعي وأحمد وداود وأبو
ثور والفقهاء السبعة المدنيون وجماعة: يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجمهور أهل العراق: لا يقضى باليمين مع
الشاهد في شيء، وبه قال الليث من أصحاب مالك. وسبب الخلاف في هذا الباب تعارض السماع. أما
القائلون به فإنهم تعلقوا في ذلك بآثار كثيرة، منها حديث ابن عباس، وحديث
أبي هريرة، وحديث زيد ابن ثابت، وحديث جابر، إلا أن الذي خرج مسلم منها
حديث ابن عباس، ولفظه "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع
الشاهد" خرجه مسلم ولم يخرجه البخاري. وأما مالك فإنما اعتمد مرسله في
ذلك عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى
باليمين مع الشاهد" لأن العمل عنده بالمراسيل واجب. وأما السماع المخالف لها فقوله تعالى -وأما ثبوت الحق على المدعى عليه بنكوله، فإن
الفقهاء أيضا اختلفوا في ذلك، فقال مالك والشافعي وفقهاء أهل الحجاز وطائفة
من العراقيين: إذا نكل المدعى عليه لم يجب للمدعي شيء بنفس النكول، إلا
أن يحلف المدعي أو يكون له شاهد واحد؛ وقال أبو حنيفة وأصحابه وجمهور
الكوفيين: يقضي للمدعي على المدعى عليه بنفس النكول وذلك في المال بعد أن
يكرر عليه اليمين ثلاثا وقلب اليمين عند مالك يكون في الموضع الذي يقبل فيه
شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين؛ وقلب اليمين عند الشافعي يكون في كل موضع يجب
فيه اليمين؛ وقال ابن أبي ليلى: أردها في غير التهمة ولا أردها في
التهمة. وعند مالك في يمين التهمة هل تنقلب أم لا؟ قولان. فعمدة من
رأى أن تنقلب اليمين ما رواه مالك من "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
رد في القسامة اليمين على اليهود بعد أن بدأ بالأنصار" ومن حجة مالك أن
الحقوق عنده إنما تثبت بشيئين: إما بيمين وشاهد، وإما بنكول وشاهد، وإما
بنكول ويمين، أصل ذلك عنده اشتراط الاثنينية في الشهادة؛ وليس يقتضي عند
الشافعي بشاهد ونكول. وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما كانت لإثبات
الدعوى، واليمين لإبطالها وجب إن نكل عن اليمين أن تحقق عليه الدعوى.
قالوا: وأما نقلها من المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف للنص، لأن اليمين
قد نص على أنها دلالة المدعى عليه، فهذه أصول الحجج التي يقضي بها
القاضي. ومما اتفقوا عليه في هذا الباب أنه يقضي القاضي بوصول كتاب قاض
آخر إليه، لكن هذا عند الجمهور مع اقتران الشهادة به، أعني إذا أشهد القاضي
الذي يثبت عنده الحكم شاهدين عدلين أن الحكم ثابت عنده، أعني المكتوب في
الكتاب الذي أرسله إلى القاضي الثاني، فشهدا عند القاضي الثاني أنه كتابه،
وأنه أشهدهم بثبوته، وقد قيل إنه يكتفي فيه بخط القاضي، وأنه كان به العمل
الأول. واختلف مالك والشافعي وأبو حنيفة إن أشهدهم على الكتابة ولم يقرأه
عليهم؛ فقال مالك: يجوز؛ وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ولا تصح
الشهادة. واختلفوا في العفاص والوكاء هل يقضي به في
اللقطة دون شهادة، أم لا بد في ذلك من شهادة؟ فقال مالك: يقضي بذلك؛
وقال الشافعي: لا بد من الشاهدين، وكذلك قال أبو حنيفة؛ وقول مالك هو
أجرى على نص الأحاديث، وقول الغير أجرى على الأصول. ومما اختلفوا فيه من
هذا الباب قضاء القاضي بعلمه، وذلك أن العلماء أجمعوا على أن القاضي يقضي
بعلمه في التعديل والتجريح، وأنه إذا شهد الشهود بضد علمه لم يقض به، وأنه
يقضي بعلمه في إقرار الخصم وإنكاره، إلا مالكا فإنه رأى أن يحضر القاضي
شاهدين لإقرار الخصم وإنكاره، وكذلك أجمعوا على أنه يقضي بعلمه في تغليب
حجة أحد الخصمين على حجة الآخر إذا لم يكن في ذلك خلاف. واختلفوا إذا كان
في المسألة خلاف، فقال قوم: لا يرد حكمه إذا لم يخرق الإجماع؛ وقال قوم
إذا كان شاذا؛ وقال قوم: يرد إذا كان حكما بقياس، وهنالك سماع من كتاب أو
سنة تخالف القياس وهو الأعدل، إلا أن يكون القياس تشهد له الأصول والكتاب
محتمل والسنة غير متواترة، وهذا هو الوجه الذي ينبغي أن يحمل عليه من غلب
القياس من الفقهاء في موضع من المواضع على الأثر مثل ما ينسب إلى أبي حنيفة
باتفاق، وإلى مالك باختلاف. واختلفوا هل يقضي بعلمه على أحد دون بينة أو
إقرار، أو لا يقضي إلا بالدليل والإقرار؟ فقال مالك وأكثر أصحابه: لا
يقضي إلا بالبينات أو الإقرار، وبه قال أحمد وشريح؛ وقال الشافعي والكوفي
وأبو ثور وجماعة: للقاضي أن يقضي بعلمه، ولكلا الطائفتين سلف من الصحابة
والتابعين، وكل واحد منهما اعتمد في قوله السماع والنظر. أما عمدة
الطائفة التي منعت من ذلك، فمنها حديث معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة
"أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على صدقة فلاحاه رجل في فريضة،
فوقع بينهما شجاج، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فأعطاهم الأرش،
ثم قال عليه الصلاة والسلام "إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم،
أرضيتم؟ قالوا: نعم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فخطب
الناس وذكر القصة، وقال: أرضيتم؟ قالوا: لا، فهم بهم المهاجرون، فنزل
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم صعد المنبر فخطب، ثم قال:
أرضيتم؟ قالوا: نعم، قال: فهذا بين في أنه لم يحكم عليهم بعلمه صلى
الله عليه وسلم. وأما من جهة المعنى فللتهمة اللاحقة في ذلك للقاضي.
وقد أجمعوا أن للتهمة تأثيرا في الشرع: منها
أن لا يرث القاتل عمدا عند الجمهور من قتله. ومنها ردهم شهادة الأب
لابنه، وغير ذلك مما هو معلوم من جمهور الفقهاء. وأما عمدة من أجاز ذلك،
أما من طريق السماع فحديث عائشة في قصة هند بنت عتبة ابن ربيعة مع زوجها
أبي سفيان بن حرب حين قال لها عليه الصلاة والسلام وقد شكت أبا سفيان
"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" دون أن يسمع قول خصمها. وأما من طريق المعنى فإنه إذا كان له أن يحكم
بقول الشاهد الذي هو مظنون في حقه فأحرى أن يحكم بما هو عنده يقين. وخصص
أبو حنيفة وأصحابه ما يحكم فيه الحاكم بعلمه فقالوا: لا يقضي بعلمه في
الحدود ويقضي في غير ذلك؛ وخصص أيضا أبو حنيفة العلم الذي يقضي به فقال:
يقضي بعلمه الذي علمه في القضاء، ولا يقضي بما علمه قبل القضاء. وروي عن
عمر أنه قضى بعلمه على أبي سفيان لرجل من بني مخزوم. وقال بعض أصحاب مالك:
يقضي بعلمه في المجلس أعني بما يسمع وإن لم يشهد عنده بذلك، وهو قول
الجمهور كما قلنا، وقول المغيرة هو أجرى على الأصول، لأن الأصل في هذه
الشريعة لا يقضي إلا بدليل وإن كانت غلبة الظن الواقعة به أقوى من الظن
الواقع بصدق الشاهدين. -وأما الإقرار إذا كان بينا فلا خلاف في وجوب
الحكم به، وإنما النظر فيمن يجوز إقراره ممن لا يجوز، وإذا كان الإقرار
محتملا رفع الخلاف. أما من يجوز إقراره ممن لا يجوز فقد تقدم. وأما عدد
الإقرارات الموجبة فقد تقدم في باب الحدود، ولا خلاف بينهم أن الإقرار مرة
واحدة عامل في المال. وأما المسائل التي اختلفوا فيها من ذلك فهو من قبل
احتمال اللفظ، وأنت إن أحببت أن تقف عليه فمن كتاب الفروع. -وأما على من يقضي؟ ولمن يقضي؟ فإن الفقهاء
اتفقوا على أنه يقضي لمن ليس يتهم عليه. واختلفوا في قضائه لمن يتهم
عليه؛ فقال مالك: لا يجوز قضاؤه على من لا تجوز عليه شهادته؛ وقال قوم:
يجوز لأن القضاء يكون بأسباب معلومة وليس كذلك الشهادة. وأما على من
يقضي؟ فإنهم اتفقوا على أنه يقضي على المسلم الحاضر. واختلفوا في
الغائب وفي القضاء على أهل الكتاب فأما القضاء على الغائب، فإن مالكا
والشافعي قالا: يقضي على الغائب البعيد الغيبة؛ وقال أبو حنيفة: لا
يقضي على الغائب أصلا، وبه قال ابن الماجشون؛ وقد قيل عن مالك لا يقضي في
الرباع المستحقة. فعمدة من رأى القضاء حديث هند المتقدم ولا حجة فيه،
لأنه لم يكن غائبا عن المصر. وعمدة من لم ير القضاء قوله عليه الصلاة
والسلام "فإنما أقضي له بحسب ما أسمع" وما رواه أبو داود وغيره عن علي
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له حين أرسله إلى اليمن "لا تقض لأحد
الخصمين حتى تسمع من الآخر" وأما الحكم على الذمي، فإن في ذلك ثلاثة
أقوال: أحدها أنه يقضي بينهم إذا ترافعوا إليه بحكم المسلمين، وهو مذهب
أبي حنيفة؛ والثاني أنه مخير، وبه قال مالك، وعن الشافعي القولان؛ والثالث
أنه واجب على الإمام أن يحكم بينهم وإن لم يتحاكموا إليه. فعمدة من اشترط
مجيئهم للحاكم قوله تعالى -وأما كيف يقضي القاضي، فإنهم أجمعوا على أنه
واجب عليه أن يسوي بين الخصمين في المجلس وألا يسمع من أحدهما دون الآخر،
وأن يبدأ بالمدعي فيسأله البينة إن أنكر المدعى عليه. وإن لم يكن له بينة
فإن كان في مال وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق، وإن كانت في طلاق أو
نكاح أو قتل وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى؛ وقال مالك: لا تجب إلا مع
شاهد؛ وإذا كان في المال فهل يحلفه المدعى عليه بنفس الدعوى أو لا يحلفه
حتى يثبت المدعي الخلطة؟ اختلفوا في ذلك، فقال جمهور فقهاء الأمصار:
اليمين تلزم المدعى عليه بنفس الدعوى لعموم قوله عليه الصلاة والسلام من
حديث ابن عباس "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" وقال
مالك: لا تجب اليمين إلا بالمخالطة؛ وقال بها السبعة من فقهاء المدينة.
وعمدة من قال بها النظر إلى المصلحة لكيلا يتطرق الناس بالدعاوي إلى تعنيت
بعضهم بعضا، وإذاية بعضهم بعضا، ومن هنا لم ير مالك إحلاف المرأة زوجها إذا
ادعت عليه الطلاق إلا أن يكون معها شاهد، وكذلك إحلاف العبد سيده في دعوى
العتق عليه، والدعوى لا تخلو أن تكون في شيء في الذمة أو في شيء بعينه، فإن
كانت الذمة فادعى المدعى عليه البراءة من تلك الدعوى وأن له بينة سمعت منه
بينته باتفاق. وكذلك إن كان اختلاف في عقد وقع في عين مثل بيع أو غير
ذلك. وأما إن كانت الدعوى في عين وهو الذي يسمى استحقاقا، فإنهم اختلفوا
هل تسمع بينة المدعى عليه؟ فقال أبو حنيفة: لا تسمع بينة المدعى عليه
إلا في النكاح وما لا يتكرر؛ وقال غيره: لا تسمع في شيء؛ وقال مالك
والشافعي: تسمع أعني في أن يشهد للمدعي بينة المدعى عليه أنه مال له
وملك. فعمدة من قال لا تسمع أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي
واليمين في حيز المدعى عليه، فوجب أن لا ينقلب الأمر، وكان ذلك عندهما
عبادة. وسبب الخلاف: هل تفيد بينة المدعى عليه معنى زائدا على كون
الشيء المدعى فيه موجودا بيده، أم ليست تفيد ذلك؟ فمن قال: لا تفيد
معنى زائدا قال: لا معنى لها؛ ومن قال تفيد: اعتبرها. فإذا باعتبار
بينة المدعى عليه فوقع التعارض بين البينتين ولم تثبت إحداهما أمرا زائدا
مما لا يمكن أن يتكرر في ملك ذي الملك؛ فالحكم عند مالك أن يقضي بأعدل
البينتين ولا يعتبر الأكثر؛ وقال أبو حنيفة: بينة المدعي أولى على أصله
ولا تترجح عنده بالعدالة كما لا تترحج عند مالك بالعدد، وقال الأوزاعي:
تترجح بالعدد وإذا تساوت في العدالة فذلك عند مالك كلا بينة يحلف المدعى
عليه، فإن نكل حلف المدعي ووجب الحق، لأن يد المدعي عليه شاهدة له، ولذلك
جعل دليله أضعف الدليلين: أعني اليمين. وأما إذا أقر الخصم فإن كان
المدعى فيه عينا فلا خلاف أنه يدفع إلى مدعيه. وأما إذا كان مالا في
الذمة، فإنه يكلف المقر غرمه فإن ادعى العدم حبسه القاضي عند مالك حتى
يتبين عدمه، إما بطول السجن والبينة إن كان متهما فإذا لاح عسره خلي سبيله
لقوله تعالى -وأما متى يقضي؟ فمنها ما يرجع إلى حال
القاضي في نفسه، ومنها ما يرجع إلى وقت إنفاذ الحكم وفصله، ومنها ما يرجع
إلى وقت توقيف المدعى فيه وإزالة اليد عنه إذا كان عينا. فأما متى يقضي
القاضي؟ فإذا لم يكن مشغول النفس لقوله عليه الصلاة والسلام "لا يقضي
القاضي حين يقضي وهو غضبان" ومثل هذا عند مالك أن يكون عطشانا أو جائعا
أو خائفا أو غير ذلك من العوارض التي تعوقه عن الفهم، لكن إذا قضى في حال
من هذه الأحوال بالصواب، فاتفقوا فيما أعلم على أنه ينفذ حكمه، ويحتمل أن
يقال: لا ينفذ فيما وقع عليه النص وهو الغضبان، لأن النهي يدل على فساد
المنهى عنه. وأما متى ينفذ الحكم عليه فبعد ضرب الأجل والإعذار إليه،
ومعنى نفوذ هذا، هو أن يحق حجة المدعي أو يدحضها وهل له أن يسمع حجة بعد
الحكم؟ فيه اختلاف من قول مالك، والأشهر أنه يسمع فيما كان حقا لله مثل
الإحباس والعتق ولا يسمع في غير ذلك. وقيل لا يسمع بعد نفوذ الحكم وهو
الذي يسمى التعجيز قيل لا يسمع منهما جميعا، وقيل بالفرق بين المدعي
والمدعى عليه، وهو ما إذا أقر بالعجز. وأما وقت التوقيف فهو عند الثبوت
وقبل الإعذار، وهو إذا لم يرد الذي استحق الشيء من يده أن يخاصم فله أن
يرجع بثمنه على البائع، وإن كان يحتاج في رجوعه به على البائع أن يوافقه
عليه فيثبت شراءه منه إن أنكره، أو يعترف له به إن أقره فللمستحق من يده أن
يأخذ الشيء من المستحق ويترك قيمته بيد المستحق؛ وقال الشافعي: يشتريه
منه، فإن عطب في يد المستحق فهو ضامن له، وإن عطب في أثناء الحكم: ممن
ضمانه؟ اختلف في ذلك، فقيل إن عطب بعد الثبات فضمانه من المستحق وقيل
إنما يضمن المستحق بعد الحكم؛ وأما بعد الثبات وقبل الحكم فهو من المستحق
منه. قال القاضي رضي الله عنه: وينبغي أن تعلم أن الأحكام الشرعية
تنقسم قسمين: قسم يقضي به الحكام وجل ما ذكرناه في هذا الكتاب هو داخل في
هذا القسم، وقسم لا يقضي به الحكام، وهذا أكثره هو داخل في المندوب إليه.
وهذا الجنس من الأحكام هو مثل رد السلام وتشميت العاطس وغير ذلك مما يذكره
الفقهاء في أواخر كتبهم التي يعرفونها بالجوامع. ونحن فقد رأينا أن نذكر
أيضا من هذا الجنس المشهور منه إن شاء الله تعالى. وما ينبغي قبل هذا أن
تعلم أن السنن المشروعة العملية المقصود منها هو الفضائل النفسانية، فمنها
ما يرجع إلى تعظيم من يجب تعظيمه وشكر من يجب شكره، وفي هذا الجنس تدخل
العبادات، وهذه هي السنن الكرامية. ومنها ما يرجع إلى الفضيلة التي تسمى
عفة وهذه صنفان: السنن الواردة في المطعم والمشرب، والسنن الواردة في
المناكح. ومنها ما يرجع إلى طلب العدل والكف عن الجور. فهذه هي أجناس
السنن التي تقتضي العدل في الأموال، والتي تقتضي العدل في الأبدان، وفي هذا
الجنس يدخل القصاص والحروب والعقوبات، لأن هذه كلها إنما يطلب بها العدل.
ومنها السنن الواردة في الأعراض. ومنها السنن الواردة في جميع الأموال
وتقويمها، وهي التي يقصد بها طلب الفضيلة التي تسمى السخاء، وتجنب الرذيلة
التي تسمى البخل. والزكاة تدخل في هذا الباب من وجه، وتدخل أيضا في باب
الاشتراك في الأموال، وكذلك الأمر في الصدقات. ومنها سنن واردة في
الاجتماع الذي هو شرط في حياة الإنسان وحفظ فضائله العملية والعلمية، وهي
المعبر عنها بالرياسة، ولذلك لزم أيضا أن تكون سنن الأئمة والقوام
بالدين. ومن السنة المهمة في حين الاجتماع السنن الواردة في المحبة
والبغضة والتعاون على إقامة هذه السنن، وهو الذي يسمى: النهي عن المنكر
والأمر بالمعروف، وهي المحبة والبغضة: أي الدينية التي تكون إما من قبل
الإخلال بهذه السنن، وإما من قبل سوء المعتقد في الشريعة. وأكثر ما يذكر الفقهاء في الجوامع من كتبهم ما
شذ عن الأجناس الأربعة التي هي فضيلة العفة وفضيلة العدل وفضيلة الشجاعة
وفضيلة السخاء، والعبادة التي هي كالشروط في تثبيت هذه الفضائل. كمل كتاب الأقضية، وبكماله كمل جميع الديوان،
والحمد لله كثيرا على ذلك كما هو أهله. هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد
(الشهير بالحفيد) من أهل قرطبة وقاضي الجماعة بها، يكنى أبا الوليد،
روى عن أبيه أبي القاسم استظهر عليه الموطأ حفظا، وأخذ الفقه عن أبي القاسم
بن بشكوال وأبي مروان بن مسرة وأبي بكر بن سمحون وأبي جعفر بن عبد العزيز
وأبي عبد الله المازري. وأخذ علم الطب عن أبي مروان بن جريؤل، وكانت
الدراية أغلب عليه من الرواية، ودرس الفقه والأصول وعلم الكلام. ولم ينشأ
بالأندلس مثله كمالا وعلما وفضلا، وكان على شرفه أشد الناس تواضعا وأخفضهم
جناحا، وعني بالعلم من صغره إلى كبره، حتى حكى أنه لم يدع النظر ولا
القراءة منذ عقل إلا ليلة وفاة أبيه، وليلة بنائه على أهله، وأنه سود فيما
صنف وقيد وألف وهذب واختصر نحو من عشرة آلاف ورقة. ومال إلى علوم
الأوائل، وكانت له فيها الإمامة دون أهل عصره، وكان يفزع إلى فتياه في الطب
كما يفزع إلى فتياه في الفقه مع الحظ الوافر من الإعراب والآداب والحكمة.
حكي عنه أنه كان يحفظ شعر المتنبي وحبيب. وله تآليف جليلة الفائدة، منها
كتاب "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد" في الفقه (هو هذا الكتاب الذي
أبان عن مقدار معرفة الرجل بالشريعة، فإنه ذكر فيه أقوال فقهاء الأمة من
الصحابة فمن بعدهم، مع بيان مستند كل من الكتاب والسنة، والقياس مع
الترجيح، وبيان الصحيح، فخاض في بحر عجاج ملتطم الأمواج، واهتدى فيه
للسلوك، ونظم جواهره في صحائف تلك السلوك، فرحمه الله رحمة واسعة) ذكر
فيه أسباب الخلاف وعلل وجهه، فأفاد وأمتع به، ولا يعلم في وقته أنفع منه
ولا أحسن سياقا، وكتاب الكليات في الطب، ومختصر المستصفى في الأصول، وكتابه
في العربيه الذي وسمه بالضروري، وغير ذلك تنيف على ستين تأليفا، وحمدت
سيرته في القضاء بقرطبة، وتأثلت له عند الملوك وجاهة عظيمة، ولم يصرفها في
ترفيع حال ولا جمع مال، إنما قصرها على مصالح أهل بلده خاصة ومنافع أهل
الأندلس. وحدث وسمع منه أبو بكر بن جهور وأبو محمد بن حوط الله وأبو
الحسن بن سهل ابن مالك وغيرهم. وتوفي سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ومولده
سنة عشرين وخمسمائة، قبل وفاة القاضي جده أبي الوليد بن رشد بشهر. تقريظ وعند تمام طبعته الأولى قرظه حضرة الأديب
الأستاذ الشيخ محمد أحمد عرفة بهذه الكلمة، فأحببنا إثباتها حرصا على
محاسنها ونشرا لعلو مكانتها، وهي: إلى الحكيم الراقد في جدته، الهانئ بمضجعه،
تحفه مسحة من النور الإلهي، وعليه حارس من المهابة وسياج من الإجلال، أهدي
غاديات من الدعوات واستمطر له وابلا من صيب الرحمات. لله أنت أيتها الروح
الخالدة العائدة إلى محلها الأرفع، فقد هبطت علينا من عالمك العالي، وطلعت
علينا طلوع القمر على خابط ليل ضل السبيل وخانه الدليل، طلعت والهدى، فكنت
كالغيث أصاب أرضا قابلة فأنبتت الكلأ والعشب وأصاب منها الكثير أقمت فينا
ما شاء الله لك أن تقومي، وخلفت لك آثارا جعلت لك مقعد صدق في كل نفس، ثم
عدت سيرتك الأولى. بسم الله مجراك ومرساك وطلوعتك ومأواك وتأويبك ومسراك،
أي جو حواك، وأي آمال وسعتك، وأي جسم تحمل ما ترومين. وإذا كانت النفوس كبارا * تعبت في مرادها
الأجسام بينا نراك بين يدي فيثاغورس وأرسطو قد حنت عليك
الحكمة، وأرضعتك أفاويقها، وأعلتك درها، وأنهلتك خيرها، فلا يظن أنك تعلمين
غيرها، إذا أنت وقد وضعتك الشريعة بين الحشا والفؤاد، وسهلت لك حنونها،
ووردت منهلا عذبا زاخرا عبابه، وسائغا شرابه. وهذا كتابك قد خالط أجزاء
النفس وهش إليه الحس، فهو الحق إلا أنه حكم قد ضمن الدر إلا أنه كلم. أنزه في رياض العلم نفسي * وأغدو في مسارحها
وأمسي أمتع ناظري فيما حوته * وأقطف زهرة من كل غرس
وأحسن من كئوس الراح عندي * ومن خد الظبا خدود
طرس وقد ردت الرياض فشمت روضا * به قد غبت عن نفسي
وحسي كأن خلال أسطره بحارا * تدفق بالمعارف بعد رمسي
كتاب حاكه فكر (ابن رشد) * وأخرج آية في كل
درس ومزق من ظلام الشك ثوبا * كما طرد الدجنة ضوء
شمس. |
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||